تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأسرار الخفية في العلوم العقلية — صفحة 337

مساهمون:

ص٣٣٧
وذهب آخرون إلى وجود الكون ، ومنعوا من الاستحالة . وآخرون اعترفوا بالاستحالة وأنكروا الكون « 1 » . وأكثر هؤلاء هم القائلون بعنصر واحد إمّا نار أو ماء أو غير ذلك . ومن هؤلاء من يرى كثرة في العناصر « 2 » . واحتجّ منكرو الكون : بأنّه يستحيل أن يتكوّن شيء لا عن شيء ؛ فإنّ التكوّن يستدعي موضوعا واللا شيء يستحيل أن يكون موضوعا للشيء فالتكوّن يستدعي موضوعا للشيء ، فالمتكوّن إن كان موجودا فتكوّنه عن شيء ، فقد كان الشيء قبل تكوّنه ، والمتكوّن هو ما لم يكن قبل تكوّنه ، فالمتكوّن غير متكوّن . وإذ صحّ أنّه قد يكوّن شيء عن شيء ، فليس التكوّن إلّا البروز ؛ لاستحالة صيرورة شيء شيئا آخر « 3 » . وهذه الحجّة رديئة جدّا ؛ فإنّه لو سلّم أن يكون الشيء لا يكوّن عن « لا شيء » لم يجب أن يكون ذلك الشيء المتكوّن عنه ، مشابها للكائن في الطبيعة والنوع . والمنع من صيرورة الشيء شيئا آخر هو نفس المتنازع . على أنّ قولهم : إذا استحال أن يكوّن عن « لا شيء » وجب أن يكوّن عن شيء ، لا يخلو عن غلط فاحش ؛ فإنّ نقيض « الكون عن لا شيء » ليس هو « الكون عن شيء » بل هو « اللا كون عن اللا شيء » . ثمّ نقول : القول بالكمون باطل ؛ فإنّ الماء لسهولته يمكن خرقه فلم لا تحسّ « 4 » الأجزاء النارية التي فيه كالحسّ بها إذا أفردت ، بل يجب أن يكون الحسّ على تقدير الكمون أولى ؛ فإنّ الأجزاء تكون مجتمعة يحسّ منها بما لا يحسّ إذا تفرّقت . وأيضا فالنار الفاشية في الزجاج الذائب لو كانت موجودة فيه ، لكانت مبصرة ؛ لشفّافيّة الزجاج . قيل على هذه : حرارة الفرفيون إنّما هي لكثرة الأجزاء النارية - على ما ذهب إليه الأطبّاء - مع أنّها لا تظهر في الحسّ مع السحق .
هامش
( 1 و 2 ) . « الشفاء » الطبيعيّات 2 : 80 . ( 3 ) . « الشفاء » الطبيعيّات 2 : 86 . ( 4 ) . في « ت » : فلم يحسّ .