آخر ، كالدواء المكروه المعلوم النجاة به من العطب ، فإنّه ملائم وغير ملائم . فالأوّل من جهة ما اشتمل عليه من النجاة ، والثاني من جهة ما اشتمل عليه ممّا ينافر الطبيعة ، فهو بالاعتبار الأوّل لذة ، وبالاعتبار الثاني ألم .
وعرّفها الشيخ في ( الإشارات ) ب ( أنّ اللذّة : إدراك ونيل لوصول ما هو عند المدرك كمال وخير من حيث هو كذلك . والألم : إدراك ونيل لوصول ما هو عند المدرك آفة وشر من حيث هو كذلك ) « 1 » .
وللمحقّق الطوسي في شرح ( الإشارات ) على هذا التعريف كلام جيّد ، ملخّصه :
أنّه إنّما لم يقتصر على الإدراك ؛ لأنّ الإدراك للشيء يحصل بصورة مساوية له ، واللذّة لا تتمّ إلّا بحصول ذاته ، والنيل لا يكون إلّا بحصول الذات . ولم يقتصر على النيل وحده ؛ لعدم دلالته على الإدراك . وذكرهما ؛ إذ لا لفظ سواهما يدلّ على المعنى بالمطابقة .
وأخذ الوصول في التعريف ؛ لأنّ اللذّة ليست إدراك اللذيذ فقط ، بل إدراك حصول اللذيذ للمستلذ ووصوله إليه ، وكمال ما هو عند المدرك كمال وخير ؛ لأنّ الشيء قد يكون كمالا وخيرا من جهة دون جهة ، والالتذاذ يختصّ بالجهة التي هو معها كمال وخير ، وقس على ذلك الألم « 2 » . هذا حاصل ما ذكره بتلخيص كلامه .
قال : ( وهذا أقرب إلى التحصيل من قولهم : اللذّة : إدراك الملائم ، والألم : إدراك المنافي ؛ ولذلك عدل عنه الشيخ إلى ما ذكره في هذا الموضع ) « 3 » . انتهى كلامه ، علا في الفردوس مقامه .
أقول : لا شكّ فيما ذكره المحقّق الطوسي ، فإنّ التعريف الذي ذكره أخيرا - نقلا عن القوم - يتوجّه عليه وجوه من الاعتراضات ، خصوصا مع أخذ الحيثيّة فيه :
أمّا أوّلا ؛ فلأنّ الإدراك قد يحصل بمساوي الشيء ، واللذّة لا تحصل كاملة إلّا
هامش
( 1 ) الإشارات والتنبيهات 3 : 337 ، باختلاف يسير .
( 2 ) الإشارات والتنبيهات 3 : 337 - 338 .
( 3 ) الإشارات والتنبيهات 3 : 339 .