بقي الكلام فيما اشتمل عليه القرآن المجيد من الآيات الدالّة بظاهرها على أنّه تعالى في مكان وجهة ، كقوله تعالى :
الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى
« 1 » ، وقوله تعالى :
إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ
« 2 » ، وقوله تعالى :
يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ
« 3 » ، وقوله تعالى :
يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ
« 4 » ، فإنّها دالّة على أنّ اللّه تعالى في مكان وجهة ، وهو مخالف للأدلّة العقليّة .
وحينئذ ، فاللازم إمّا العمل بهما ، أو اطّراحهما ، أو العمل بالنقل واطّراح العقل ، أو العكس . لكن الثلاثة الأول باطلة ؛ لاقتضاء الأوّل إلى اجتماع النقيضين ، والثاني إلى ارتفاعهما ، والثالث إلى اطّراح الأصل والعمل بالفرع ؛ لأنّ العقل أصل للنقل ، وهو - أعني : اطّراح الأصل والعمل بالفرع - يؤدّي إلى اطّراحهما معا ؛ لأنّ اطّراح الأصل مستلزم لاطّراح فرعه ، فلم يبق إلّا العمل بالعقل واطّراح النقل . وحيث كان واردا في الكتاب العزيز وجب قبوله وتأويله ، فيجب تأويل الآيات المذكورة بأمر لا يخالف العقل ، كأن يحمل
اسْتَوى
على استولى ، وكذا البواقي على ما يناسبها ، وهو مذكور في مواضعه .
* * * * قال : ( ولا يصحّ [ عليه ] اللذّة والألم ؛ لامتناع المزاج عليه ) .
نفي اللذة والألم عنه تعالى
أقول : اللذّة والألم أمران بديهيان غنيان عن التعريف ؛ لأنّهما من الأمور الوجدانيّة ، وما يذكر من التعريف لهما فإنّما هو على سبيل التنبيه ، فاللذّة : إدراك الملائم من حيث هو ملائم . والألم : إدراك المنافر من حيث إنّه منافر .
وإنّما قيّدا بالحيثيّة ؛ لأنّ الشيء الواحد قد يكون ملائما من وجه ، غير ملائم من
هامش
( 1 ) طه : 5 .
( 2 ) فاطر : 10 .
( 3 ) الفتح : 10 .
( 4 ) النحل : 50 .