* قال : ( ولا يتّحد بغيره ؛ لامتناع الاتّحاد مطلقا ) .
نفي اتحاده تعالى بغيره
أقول : الباري تعالى لا يجوز أن يتّحد بغيره ، فإن الاتّحاد يقال - بحسب المجاز - على صيرورة الشيء شيئا آخر بالكون والفساد ، وذلك إمّا بانعدام شيء وحدوث آخر ، كقولهم : صار الماء هواء ، أو بامتزاج الشيئين وحدوث شيء آخر مغاير لهما ، كقولهم : صار الخشب سريرا . وبحسب الحقيقة على كون الشيئين الموجودين شيئا واحدا ، بأن تكون الذاتان باقيتين وإحداهما متّحدة بالأخرى . والباري تعالى لا يصحّ اتّحاده بغيره على كلّ من الأمرين .
أمّا الأوّل ؛ فلأنّه يستلزم انفعاله عن غيره ، وهو محال في حقّه تعالى وإن أمكن في حقّ غيره .
وأمّا الثاني ؛ فلأنّ الاتّحاد محال في نفسه وإن ذهب إليه طائفة من الحكماء حيث قالوا : ( إنّ الباري إذا عقل شيئا اتّحدت ذاته بذلك الشيء ) « 1 » . والنصارى « 2 » حيث قالوا : إنّه اتّحد بالمسيح . وبعض المتصوّفة « 3 » حيث قالوا : إنّه اتّحد في قلوب العارفين . والحقّ خلاف ذلك .
لنا : أنّه إن أريد بالاتّحاد غير ما ذكرناه فلابدّ من تصويره حتّى ننظر في صحّته وفساده ، مع أنّه لا يعقل للاتّحاد معنى حقيقة ومجازا غير ما ذكرنا . وإن أريد به ما ذكرناه فباطل ؛ لأنّ الاتّحاد محال في نفسه ، فإنّ الضرورة قاضية ببطلانه ، ولأنّ الشيئين بعد الاتّحاد إمّا أن يكونا موجودين ، أو معدومين ، أو يكون أحدهما موجودا والآخر معدوما ، والكلّ باطل .
هامش
( 1 ) انظر : تلخيص المحصّل : 260 ، إرشاد الطالبين : 238 .
( 2 ) انظر : تلخيص المحصّل : 260 ، إرشاد الطالبين : 238 .
( 3 ) انظر : تلخيص المحصّل : 260 ، إرشاد الطالبين : 238 .