نسلّم أنه ليس بإرادة . والقول بأن الإنسان يأمر بما لا يريد ممنوع ، كيف والأمر بالشيء يستلزم قصده ، وهو يستلزم الإرادة والمثالان المذكوران ليس الأمر فيهما أمرا على الحقيقة ، فإنّه كما لا يريد الفعل من عبده لا يطلب ، وإنّما هو صورة الأمر وليس بأمر .
وأمّا سادسا ؛ فلأنّ قولهم : ( لا جائز أن يكون الكلام هو الحروف والأصوات ؛ لأنّه صفة ، وصفة الشيء بما تقوم به ) غير مسلّم ؛ لأنّه مبني على أنّ معنى المتكلّم من قام به الكلام ، ونحن لا نقول بذلك ، وإنّما المتكلّم عندنا من أوجد الكلام .
وأمّا سابعا ؛ فلأنّ قولهم : ( يجب أن يكون المراد به [ الكلام ] النفسي ) غير مسلّم ؛ لأنّه مبنيّ على أنّ المقدّمات السابقة قوية البنيان ، وقد بيّنا أنّها متساقطة الأركان .
وبهذا ظهر أنّ كلامه تعالى ليس إلّا الحروف والأصوات ، ومعنى أنّه متكلّم أنّه أوجدها في جسم من الأجسام ، كما أسلفناه .
[ البحث ] الثالث : ذهب الأشاعرة « 1 » إلى أنّ المعنى الذي أثبتوه واحد ، ليس أمرا ولا نهيا ولا خبرا ولا استخبارا ولا غيرها ؛
لأنّ جميعها راجع إلى معنى واحد ، فإنّ مفاد الأمر الإخبار بحصول العقاب على الترك ، ومفاد النهي الإخبار بحصول العقاب على الفعل ، فيرجع الجميع إلى الإخبار ، وهو شيء واحد ، فيكون الكلام واحدا .
ونحن لا نحتاج في إبطال هذا المذهب إلى الإكثار ، فإنّ الأمر أظهر من الشمس في رابعة النهار ؛ وذلك لأنّ اختلاف حقائق هذه الأشياء ضروري ، فلا تكون متّحدة وإن اشترك بعضها - كالنهي والأمر - في استلزام الإخبار ، لكن ذلك لا يوجب الاتّحاد ، مع أنّ اتّحاد الإنشاءات غير متصوّر .
[ البحث ] الرابع : [ قول الأشاعرة بأن الكلام النفسي قديم ]
قال الأشاعرة « 2 » : لما تحقّق عندنا الكلام النفسي - حينئذ - وهو
هامش
( 1 ) انظر : إرشاد الطالبين : 212 .
( 2 ) انظر : إرشاد الطالبين : 213 .