على الحروف والأصوات ، وهي مستحيلة في حقّه تعالى ؛ لتوقّفها على الآلات ، بل دلّ عليه السمع فاحتيج إلى التأويل بما ذكرناه .
واحتجّ الأشاعرة « 1 » بأنّ الباري تعالى حيّ ، وكلّ حيّ يصحّ أن يكون متكلّما ؛ ولأنّه لو لم يوصف بالتكلّم لوصف بضده ، وهو نقص ، واللّه تعالى منزّه عن النقص .
والجواب عن الأوّل : أنّا لا نسلّم الكبرى ، وهي : أنّ كلّ حيّ يصحّ أن يكون متكلّما ، فإنّ كثيرا من الأحياء لا يتكلّم ، كالأخرس والساكت والنائم ؛ فإنّ كلّا من هذه الثلاثة حيّ وليس بمتكلّم .
وعن الثاني : أنّا لا نسلّم بالملازمة ، وهي : أنّه لو لم يوصف به لوصف بضدّه ؛ لجواز خلوّ الشيء عن الضدّين ، فإنّ الضدّين هما ما لا يجتمعان وقد يرتفعان . ولئن سلّمنا الملازمة فلا نسلّم أنّه نقص ؛ لافتقاره إلى الحاسّة ، وهي غير جائزة على اللّه تعالى .
[ البحث ] الثاني : قسّم الأشاعرة « 2 » الكلام إلى قسمين :
الأوّل : هو الحروف والأصوات .
والثاني : مدلول الحروف والأصوات ، وهي المعاني ، وسمّوه بالكلام النفسي ؛ لقول الشاعر :
إنّ الكلام لفي الفؤاد وإنّما * جعل اللسان على الفؤاد دليلا
واستدلّوا على ثبوته بأنّ الألفاظ موضوعة بإزاء الصورة الذهنيّة ، فإذا تكلّم المخبر بخبر فمدلول تلك الألفاظ ليس الاعتقاد ؛ لأنّ الإنسان قد يخبر بما لا يعتقده .
ولا القدرة والعلم ، وهو بيّن . ولا الإرادة ، فإنّ الإنسان قد يأمر بما لا يريد ، كمن يأمر عبده ليختبر هل يطيعه أم لا ، وكمن يعتذر من ضرب عبده لعصيانه ، فإنّه يأمره ولا يريد أن يفعل ؛ ليظهر عذره . فبقي أن يكون لمعنى غيرها ، وهو
هامش
( 1 ) انظر : محصّل أفكار المتقدّمين والمتأخّرين : 129 ، إرشاد الطالبين : 210 .
( 2 ) انظر : إرشاد الطالبين : 211 .