عرض ، فلابدّ له من محلّ يقوم به ؛ فإمّا أن يكون قائما بذات الباري أو بغيره ، لا سبيل إلى الثاني ؛ لأنّ صفة الشيء لا تقوم بغيره ، فتعيّن الأوّل . وحينئذ إمّا أن يكون قديما أو حادثا ، لا سبيل إلى الثاني ؛ لإفضائه إلى كون الباري محلّا للحوادث . فتعيّن الأوّل ، وهو أنّه قديم ، وهو المطلوب .
وفيه نظر : أمّا أوّلا ، فلأنّا لا نسلم تحقّق الكلام النفسي ؛ لأنّه مبنيّ على ما احتجّوا به هناك ، وقد بيّنا أنّه ساقط .
وأمّا ثانيا ، فلأنّ قولهم : ( إمّا أن يكون قائما بذات الباري أو بغيره ) مبنيّ على أنّ المتكلّم من قام به الكلام ، ونحن لا نقول بذلك ، بل المتكلّم هو من فعل الكلام لا من قام به .
والبحث هنا موقوف على كلام أهل اللغة « 1 » ، وقد أجمعوا على أنّ المتكلّم ليس إلّا من فعل الكلام ، يشهد لذلك قولهم : تكلّم الجني على لسان المصروع ، وليس إلّا لأنّه فاعل الكلام ، لأنّه أقام بالمصروع ، فلو كان المتكلّم من قام به الكلام نسب إلى المصروع ، وليس فليس . ولأنّه لو كان المتكلّم من قام به الكلام لوصف الصدى بذلك لقيام الكلام به ، وليس فليس .
وأمّا ثالثا ، فلأنّ قوله : ( إنّه قديم ) غير مسلّم ؛ لأنّه مبنيّ على قيام الحوادث بأنّه لو كان حادثا ، وليس كذلك ؛ لأنّها قائمة بالغير ، وإنّما الباري فاعل الكلام .
وأمّا رابعا ، فلأنّ الأشاعرة قائلون بزيادة الصفة على الذات ، فلو كان قديما وهو صفة له لكان القديم متعدّدا ، والتالي باطل - كما نتلوه عليك - فالمقدّم مثله .
وأمّا خامسا ، فلأنّ القديم عندهم حينئذ هو المعنى ، لكن منعنا كون الكلام هو المعنى ، فلا يكون قديما ، بل حادثا .
هامش
( 1 ) انظر : إرشاد الطالبين : 213 ، النافع يوم الحشر : 29 .