الآلات الجسمانيّة ، وهي مستحيلة في حقّه تعالى ، ولمّا نطق القرآن المجيد بها وجب قبولها ، واحتيج إلى التأويل بأنّ معناه : أنّه أوجد الكلام في جسم من الأجسام ، وذلك لا ينافي كونه متكلّما ، فإنّ المتكلّم من فعل الكلام لا من قام به ، كما سيأتي .
وإيجاد الكلام في جسم من الأجسام أمر ممكن ، واللّه تعالى قادر على جميع الممكنات ، فإذن كون الكلام في حقّه معناه : إيجاد الكلام في جسم من الأجسام ممكن ، وهو المطلوب .
فظهر أنّ العقل لا يستقلّ بالبرهان على إثبات هذه الصفة ، فقول من قال : إنّه يستدلّ على مذهب المعتزلة - بأنّ الكلام هو المركّب من الحروف والأصوات - بالنقل والعقل ، ليس المراد منه إلّا على كون الكلام معناه هذا ، لا على ثبوت أصل الكلام للّه تعالى .
الاختلاف في معنى كلامه تعالى
إذا تقرّر هذا ، فاعلم أنّه بعد الاتّفاق على ثبوت هذه الصفات انتشر الخلاف في معناها :
فقالت المعتزلة « 1 » : معناه أنّه أوجد الكلام في جسم من الأجسام ، كما أوجد الكلام في الشجرة لموسى ، مع أنّه كلام اللّه ، ولذلك قيل : إنّ موسى كليم اللّه ، ولم ينكر ذلك أحد .
وقالت الأشاعرة « 2 » : إنّه معنى قديم قائم بذاته ، مدلول عليه بالحروف والأصوات .
وسيأتي في تقرير مذهبهم .
وقالت الحنابلة « 3 » : هو عبارة عن الحروف والأصوات المسموعة ، وهو قديم .
هامش
( 1 ) انظر : محصّل أفكار المتقدّمين والمتأخّرين : 128 ، شرح المواقف 8 : 92 - 93 ، إرشاد الطالبين : 208 - 209 .
( 2 ) انظر : محصّل أفكار المتقدّمين والمتأخّرين : 128 ، إرشاد الطالبين : 209 .
( 3 ) انظر : شرح المواقف 8 : 92 ، إرشاد الطالبين : 209 .