صانع يطلب منه معرفته ، ويعاقبه على عدمها ، وحينئذ يحصل له خوف عقاب عدم المعرفة .
وأمّا أنّ دفع الخوف واجب ، فلأنّ الخوف من جملة الآلام النفسانيّة ، وهي متى كانت مقدورة للإنسان ، فلو لم يدفعها استحقّ الذم . فظهر أنّ معرفة اللّه تعالى واجبة .
وأمّا أنّها لا تتمّ إلّا بالنظر ، فممّا لا يحتاج إلى بيان ؛ للقطع بأنّها ليست ضروريّة ، فتكون نظريّة ، وجميع النظريات يفتقر في تحصيلها إلى النظر ولا يكفي التقليد ؛ لاختلاف الأقوال ، وليس الاستناد إلى أحدها بأولى من الاستناد إلى الآخر . ولا قول المعصوم ؛ لأنّ حجيّته تتوقّف على معرفة عصمته ، وهي أمر خفي لا يعلمه إلّا اللّه ، كما سيجيء في آخر الكتاب .
فإذن تكون مسبوقة بمعرفة اللّه ؛ لأنّها مستفادة من اللّه ، ومعرفته سابقة على الاستفادة ، فيلزم الدور ، وهو محال .
وأمّا أنّ ما لا يتمّ الواجب إلّا به فهو واجب ، فلأنّه لولاه للزم التكليف بما لا يطاق ، أو خروج الواجب المطلق عن كونه واجبا مطلقا ؛ لأنّ هذا الواجب إن بقي على وجوبه مع عدم حصول ما لا يتمّ إلّا به - لأنّ الفرض أنّه غير واجب فيجوز عدم حصوله - لزم التكليف بالمشروط مع عدم حصول شرطه ، وهو تكليف بما لا يطاق . وإن لم يبق كان واجبا مقيّدا ، فإنّه حينئذ واجب إن حصل الشرط ، غير واجب إن لم يحصل ، وقد كان واجبا مطلقا ، هذا خلف .
البحث الثاني : اختلفوا في وجوب النظر ، فهل هو واجب عقليّ أو سمعيّ ؟
ذهب الأشاعرة إلى الثاني « 1 » ، والمعتزلة والمحقّقون إلى الأوّل « 2 » ، وهو الحقّ .
لنا : أنّه لو لم يكن عقليّا لزم إفحام الأنبياء ، والثاني باطل ، فالمقدّم مثله .
هامش
( 1 ) شرح المواقف 1 : 251 ، شرح المقاصد 1 : 262 .
( 2 ) انظر : مناهج اليقين : 111 ، شرح المواقف 1 : 251 ، شرح المقاصد 1 : 262 ، إرشاد الطالبين : 111 .