ولا ينبغي العدول عن هذا التعريف إلى قولهم : هو ما يلزم من العلم به العلم بالمدلول ، كما فعله بعضهم « 1 » ؛ فرارا ممّا يرد على التعريف الأوّل من المعلوم المعدوم ؛ لما بيّنا من أنّه غير وارد على الأوّل ، ولأنّ ما يرد على الأوّل يرد هنا .
بل الذي يحسن أن يقال : الدليل هو ما يلزم من العلم به العلم بشيء آخر ، كالعلم بالدخان المستلزم للعلم بالنار .
واعلم أنّ الدليل السمعي المحض لا يكون حجّة إلّا إذا علم صدق قائله ، وهو عقليّ . فإذن الحجّة إمّا العقلي المحض ، كالاستدلال على حدوث العالم بقولنا : العالم متغيّر ، وكلّ متغيّر حادث ، فالعالم حادث ، أو المركّب من السمعي والعقلي ، كالمعجزة مع علم أنّها خارقة للعادة مصدقة للمدّعي ، وكالكلام المعتقد صدق قائله فيه . وهل هو يفيد اليقين أو لا ؟
الأكثر على أنّه لا يفيد ؛ لتوقّفه على أمور ظنيّة ، كعصمة الراوي ؛ إمّا بأن يكون معصوما ، أو بالغا حدّ التواتر . وكصحّة اللغة وعدم المعارض العقلي ، وغير ذلك .
والحقّ أنّه يفيد اليقين مع انضمام قرائن خارجة مرجّحة له .
و ( التقليد ) : قبول قول الغير بدون حجّة : ولا يجوز في هذه المعارف ؛ للزوم اجتماع المتناقضات لو اعتقد المكلّف جميع الأقوال المتباينة ، أو الترجيح للأرجح لو اعتقد قول أحد دون آخر .
كيف ، واللّه سبحانه وتعالى ذمّ التقليد في محكم كتابه بقوله تعالى :
إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ
« 2 » ، ومدح النظر بقوله :
ائْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
« 3 » .
قوله : ( فلابدّ من ذكر ما لا يمكن جهله على أحد من المسلمين ، ومن جهل شيئا منه فقد خرج عن ربقة المؤمنين واستحقّ العقاب الدائم ) .
هامش
( 1 ) قواعد المرام في علم الكلام : 35 .
( 2 ) الزخرف : 23 .
( 3 ) الأحقاف : 4 .