أمّا الملازمة ، فلأنّ النبيّ صلّى اللّه عليه واله إذا أمر المكلّف باتّباعه فللمكلّف حينئذ أن يمتنع عليه ، ويقول : لا أتّبعك حتّى يتبيّن لي صدقك ، ولا أعرف صدقك إلّا بعد النظر ، وهو غير واجب عليّ إلّا بقولك ، وقولك قبل النظر ليس بحجّة ؛ لأنّه لا يكون حجّة إلّا بعد معرفة الصدق الموقوف على النظر ، فيفتقر فيه إلى النظر الذي هو ليس بواجب قبل القول ، فيلزم الدور .
فلو كان هذا الكلام من المكلّف حقّا لزم إفحام الأنبياء وانقطاعهم عن الجواب ، أمّا إذا كان النظر عقليّا فلا ؛ لأنّه لا يصحّ للمكلّف أن يقول : لا يجب عليّ النظر إلّا بقولك ، فإنّ النظر واجب عليه عقلا .
وأمّا بطلان الثاني وهو افحام الأنبياء ، فلأنّهم حجج اللّه تعالى على خلقه ، وليس القصد من إرسالهم إلّا إرشاد البشر ، ولا يتمّ إلّا باتّباعهم ، فهو أكرم من أن يمكّن أحدا من إفحامهم ؛ ولأنّه ينفي الغرض والمقصود من الإرسال حينئذ .
واحتجّ الأشاعرة بقوله تعالى :
وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا
« 1 » ، حيث نفى التعذيب قبل الإرسال .
وأجيب عنه بأنّ المراد بالرسول هو العقل ، ومعناه : وما كنّا معذّبين بالسمعيّات حتّى نبعث رسولا هو العقل .
البحث الثالث : اختلفوا في أنّ أوّل الواجبات ما هو ؟
فذهب قوم إلى أنّه المعرفة ؛ لقول أمير المؤمنين عليه السّلام : « أوّل الدين معرفته » « 2 » ، وذهب آخرون إلى أنّه النظر ، وآخرون إلى أنّه القصد إلى النظر « 3 » .
والتحقيق : أنّه إن أريد الأوّل بالذات فلا شكّ أنّه المعرفة ؛ لأنّ النظر إنّما يطلب لأجلها . وإن أريد الأوّل كيف كان فلا شكّ أنّه القصد ، وهذا واضح لا شرح به .
إذا تحقّقت ما تلوناه عليك في هذه المباحث فلنرجع إلى شرح كلام المصنّف :
هامش
( 1 ) الإسراء : 15 .
( 2 ) نهج البلاغة : 13 / الخطبة 1 .
( 3 ) انظر : شرح المواقف 1 : 275 - 276 ، شرح المقاصد 1 : 271 - 272 ، إرشاد الطالبين : 113 .