بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ
، وتوعّده إن لم يبلّغه ، ووعده العصمة من الناس .
ثمّ أخذ بيد علي عليه السّلام ، وقال - في جملة كلامه - : « ألست أولى بكم من أنفسكم ؟ » قالوا : بلى يا رسول اللّه . قال : « من كنت مولاه فعلي مولاه ، اللهمّ وال من والاه ، وعاد من عاداه ، وانصر من نصره ، واخذل من خذله ، وأدر الحقّ معه حيثما دار » . فلم ينصرف الناس ، حتّى نزل قوله تعالى :
الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً
« 1 » ، فقال النبيّ صلّى اللّه عليه واله : « الحمد للّه على إكمال الدين وإتمام النعمة ورضا اللّه تعالى برسالتي و [ الولاية لعلي ] « 2 » بعدي » « 3 » .
ونحن نكتفي بذكر الحديث هكذا ؛ لأنّه جاء من طريق المخالفين ، فهو آكد للحجّة وأقوى للمحجّة ، وإن كان صورة روايته عندنا ليست هكذا ، بل أبلغ منها .
وحينئذ فنقول : هذا الحديث دالّ على إمامة عليّ عليه السّلام دلالة صريحة ؛ لأنّ النزول ونزول جبرئيل بالوحي على النبيّ صلّى اللّه عليه واله لم يكن إلّا له ، فليس المراد حينئذ بالمولى إلّا الأولى بالتصرّف ، لا الجار والناصر لوجوه :
الأوّل : سبق قوله عليه السّلام : « ألست أولى بكم من أنفسكم ؟ » قالوا : بلى . وهو يدلّ على أن المراد به ذلك .
الثاني : أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه واله لم يكن لينزل في هذا اليوم الشديد الحرّ بتأكيد من اللّه تعالى ؛ ليخبرهم أنّ من كنت ناصره فعليّ ناصره ، أو من كنت جاره فعليّ جاره ، وهذا ممّا لا يقبله العقل .
الثالث : أنّ باقي الحديث ، وهو قوله : « اللهمّ وال من والاه ، وعاد من عاداه ، وانصر من نصره ، واخذل من خذله ، وأدر الحقّ معه حيثما دار » يدلّ على أنّ المراد به هو الأولى ، وإذا كان معناه هو الأولى بالتصرّف كان هو الإمام . وقد دلّ باقي الحديث - وهو
هامش
( 1 ) المائدة : 3 .
( 2 ) من المصدر ، وفي المخطوط : « بولايته » .
( 3 ) مناقب علي بن أبي طالب ( ابن المغازلي ) : 17 - 27 ، المناقب ( الخوارزمي ) : 135 / 152 ، وانظر الغدير 1 : 14 فما بعدها .