فإنّ أئمّة التفسير من الموافقين « 1 » والمخالفين « 2 » قد اتّفقوا على أنّ المراد بالنفس هنا هو علي بن أبي طالب عليه السّلام ، وليس المراد بكونه نفسا أنّه هو بعينه ؛ لبطلان الاتّحاد ، بل معناه أنّه مساو له في الأفضليّة ، وقد ثبت أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله أفضل الخلق ، فيكون هو كذلك ؛ لأنّه مساو له ، ومساوي الأفضل أفضل .
ولأنّه احتاج إليه في المباهلة ، فإنّه لمّا نزل قوله تعالى :
فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ
« 3 » ، دعا الرسول صلّى اللّه عليه واله وفد نجران ، دعاهم إلى المباهلة - التي هي الدعاء على الظالم - وخرج ومعه عليّ والحسن والحسين وفاطمة ، وقال : « إذا دعوت فأمّنوا » ، فلمّا رأى الوفد ذلك نكصوا عن المباهلة « 4 » . وافتقاره إليه - وفي هذا الوضع العظيم الذي يطلب فيه إجابة الدعوة وإقامة الحجّة على المخالفين - يدلّ على أنّه أفضل من غيره .
ولأنّه ورد عن النبيّ صلّى اللّه عليه واله : « من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه ، وإلى نوح في تقواه ، وإلى إبراهيم في حلمه ، وإلى موسى في هيبته ، وإلى عيسى في زهده ، فلينظر إلى علي بن أبي طالب » « 5 » . فقد جمع صفات الأنبياء الذين هم أفضل الخلق ، فيكون هو أفضل ، وإذا كان كذلك كان هو الإمام ؛ لقبح تقديم المفضول على الفاضل عقلا وسمعا .
الثالث : أنّ الإمام يجب أن يكون معصوما ، ولا شيء ممّن ادّعيت له الإمامة غير علي عليه السّلام بمعصوم . أمّا أنّه يجب أن يكون معصوما فلما تقدّم ، وأمّا أنّه ليس غيره ممّن ادّعيت له بمعصوم فللإجماع على ذلك ؛ لأنّه لم يدّع أحد في العباس بن
هامش
( 1 ) التبيان ( الطوسي ) 2 : 485 ، مجمع البيان 2 : 579 ، تفسير نور الثقلين 1 : 348 / 162 .
( 2 ) الوسيط 1 : 445 ، تفسير القرآن العظيم ( ابن كثير ) 1 : 350 ، الدر المنثور 2 : 68 .
( 3 ) آل عمران : 61 .
( 4 ) الوسيط 1 : 444 ، تفسير الكشاف 1 : 368 ، التفسير الكبير 8 : 71 .
( 5 ) مطالب السّؤول : 108 ، بحار الأنوار 39 : 39 ، ينابيع المودّة 1 : 363 / 1 ، باختلاف يسير فيهما . وللمزيد من المصادر انظر الغدير 3 : 358 .