وعن الثاني : أنّ [ تقديم الأدنى ] وإن سلّم أنّه جرت به العادة من العرب ، ولكن في الكلام الواحد الذي يقع فيه الارتقاء على سبيل المبالغة من الأدنى إلى الأعلى ، والآية ليست من هذا القبيل ؛ فإنّها كلامان مستقلّان وردا للردّ على الطائفتين ، فقوله تعالى :
لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ
ردّ على من قال : إنّ المسيح ابن اللّه . وقوله :
وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ
ردّ على من قال : إنّ الملائكة بنات اللّه .
ومجموع الكلّ يدلّ على أنّ الكلّ عباد مقرّبون .
فقد بان ما اخترناه من أنّ الأنبياء أفضل من الملائكة من حيث العموم في الجميع ، وأمّا نبيّنا محمّد صلّى اللّه عليه واله فكونه أفضل منهم بطريق أولى ؛ لدخوله في الأنبياء ، ولأنّه أفضل من الأنبياء الذين هم أفضل منهم ، والأفضل من الأفضل أفضل . كيف ، وقد افتخر جبرئيل « 1 » الذي هو أفضل الملائكة على الملائكة أجمع بأنّه خادم آل محمّد ، فعجزوا أن يفاخروه ؟ !
وكفى نبيّنا من الفضل الذي اندرج - تحته جميع الخلق - ما ورد في الحديث القدسي ، وهو : « لولاك ما خلقت الأفلاك » « 2 » ، وفي حكمه الأئمّة عليهم السّلام ؛ لمساواتهم له في صفات الكمال . وللّه در من قال في مدح الرضا عليه السّلام :
قلت لا أستطيع مدح إمام * كان جبريل خادما لأبيه « 3 »
ونحن وإن أطلنا في هذا المقام ، إلّا أنّه ممّا يحسن من إطالة الكلام تبرّكا بذكرهم عليهم السّلام .
* * *
هامش
( 1 ) انظر : إرشاد القلوب : 404 ، بحار الأنوار 26 : 344 - 345 / 17 .
( 2 ) مشارق أنوار اليقين : 31 ، بحار الأنوار 15 : 28 / 48 ، و 54 : 199 / 145 .
( 3 ) تاريخ الإسلام ( الذهبي ) حوادث ووفيّات ( 201 - 210 ) : 271 ، روضة الواعظين : 236 ، ونسبه إلى الحسن بن هاني ، وفي مناقب آل أبي طالب 3 : 454 نسبه إلى أبي نواس ، وهو المعروف كما في بحار الأنوار 49 : 236 .