الأنبياء ، والكلام في جميع الأنبياء .
قلنا : لمّا ثبت فضل هؤلاء ثبت فضل من سواهم ، فإنّ القول بفضلهم دون غيرهم ترجيح بدون مرجّح ، كيف وقد شملت الآية أكثر الأنبياء ؟ ! والكلام إنّما يبقى فيمن قبل إبراهيم ونوح كشيث بن آدم وأمثاله . والظاهر أنّه أفضل من الملائكة ؛ لما ذكرنا ولما سيأتي .
الثاني : أنّ الأنبياء عليهم السّلام مكلّفون بما هو أشقّ من تكليف الملائكة ، وكلّ ما كان كذلك كان عملهم أفضل .
أمّا أنّهم مكلّفون بما هو أشقّ من تكليف الملائكة ؛ فلأنّهم في نهاية العبادة ، مع وجود ما هو صارف لهم من الموانع كالقوّة الشهويّة والغضب وحبّ جمع المال والاشتغال بتدبير العيال ، وكلّ هذه ممّا لم توجد في الملائكة ؛ لأنّهم مبرؤون من ذلك . ومعلوم أنّ التكليف مع وجود المانع أشقّ منه مع عدمه .
وأمّا أنّ كلّ ما كان كذلك كان عملهم أفضل ؛ فلقوله عليه السّلام : « أفضل الأعمال أحمزها » « 1 » ، أي أشقّها ، وقال اللّه تعالى :
أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ
« 2 » .
ومعلوم أنّ له في الصبر على الأذى وتحمّل المشقّة ثوابا ليس لمن لم يحصل له ذلك ، أو لا ترى أنّه لو عمل رجلان عملا واحدا وقبله اللّه منهما ، لكن وقع لأحدهما مشقّة وللآخر بدون مشقّة ، فإنّ صاحب المشقّة أفضل عملا ؛ لما تقتضيه صفة العدل .
ومتى كان العمل أفضل كان القائم به أفضل ، فتكون الأنبياء أفضل من الملائكة ، وهو المطلوب .
واحتجّت المعتزلة « 3 » بقوله تعالى :
ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ
« 4 » ، وبقوله عزّ من قائل :
لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ
هامش
( 1 ) بحار الأنوار 67 : 191 .
( 2 ) آل عمران : 195 .
( 3 ) انظر : محصّل أفكار المتقدّمين والمتأخّرين : 171 ، شرح نهج البلاغة ( ابن أبي الحديد ) 1 :
110 ، إرشاد الطالبين : 323 .
( 4 ) الأعراف : 20 .