وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ
« 1 » .
ووجه الاستدلال بالآية الأولى : أنّ إبليس - عليه اللعنة - رغّب آدم وحواء في الأكل من الشجرة ، وقال : ما نهاكما ربكما إلّا كراهة أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين ، فتدركان هاتين المرتبتين الشريفتين ، وهو يدلّ على أفضليّة الملائكة عليه .
ووجه الاستدلال بالآية الأخرى : أنّ العرب قد جرت عادتهم أن يقدّموا الأدنى في النفي ويرتقوا منه إلى الأعلى ، كما يقال : فلان لا يخاف الوزير بل ولا السلطان ، فتأخير الملائكة هنا يدلّ على أنّهم أفضل .
والجواب عن الأوّل : أنّ المراد من ترغيبه إيّاهما هو أنّه إنّما نهاكما لتتشبها بالملائكة في عدم الاغتذاء فتكونا من المجرّدات ؛ لتحصل لكما الكمالات النفسانيّة ، أو تكونا من الخالدين فتحصل لكما الكمالات البدنيّة ، وهو ليس ناصحا لكما وأنا أدلّكما على ما هو خير لكما ، وتدركان به كلّا من الأمرين ؛ لأنّ بدنكما يبقى فتدركان الكمالات البدنيّة ، والنفس متعلّقة [ ببدنكما ] « 2 » فتدركان الكمالات النفسانيّة . وهذا لا يدلّ على أفضليّة الملائكة .
هذا إن أردنا ب
أَوْ
أو الفاصلة ، ولو قلنا : إنّها بمعنى الواو الواصلة لكان المرتبة الشريفة مجموعهما لا كلّا منهما .
كيف ، ونحن نتمسّك بالآيات في فضل آدم على الملائكة ، كقوله تعالى :
فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ
« 3 » ، ومعلوم أنّ السجود سجود تعظيم وتكريم ، وهو يدلّ على أنّه أفضل منهم . وكقوله عزّ من قائل :
وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ
إلى قوله :
يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ
« 4 » ومعلوم أنّ المعلّم أفضل من المتعلّم .
هامش
( 1 ) النساء : 172 .
( 2 ) الزيادة من إرشاد الطالبين : 324 .
( 3 ) ص : 73 .
( 4 ) البقرة : 31 - 33 .