يستفيض من المبدأ الأعلى ، وجهة تعلّق بما يفيض على كافة الخلق ؛ وذلك نبيّنا محمّد صلّى اللّه عليه واله .
ولمّا كان لا يتمّ إلّا بقهره لهم وانقيادهم لأوامره ونواهيه ، ولا يحصل ذلك منهم إلّا بأمر يمتاز به ، خصّه اللّه بآيات تدلّ على أنّه من عند ربّه ، وهي المعجزات .
فقد بان ثبوت المقدّمتين المذكورتين آنفا فثبتت النتيجة ، وهي : كلّما كان صلاح النوع مطلوبا وجبت البعثة ؛ لأنّ صدق الملزوم يستلزم صدق اللازم ، لكن المقدّم وهو كون صلاح النوع مطلوبا له حقّ - كما بيّنا - فالتالي وهو وجوب البعثة كذلك ، وهو المطلوب . هذا تقرير الدليل على طريقة الحكماء « 1 » .
تقرير دليل المتكلمين على وجوب البعثة
الوجه الثاني : في تقريره على طريقة المتكلّمين « 2 » ، وهي الاستدلال بوجوب التكاليف السمعيّة على وجوب البعثة .
وتقريره أن يقال : كلّما كانت التكاليف السمعيّة واجبة كانت البعثة واجبة ، لكن المقدّم حقّ ، فالتالي مثله .
أمّا بيان المقدّم ؛ فلأنّ التكاليف السمعيّة ألطاف ؛ لأنّها تقرّب العبد إلى الطاعة وتبعّده عن المعصية ، ولا نعني باللطف إلّا هذا .
والدليل على أنّها مقرّبة للطاعة ومبعّدة عن المعصية أنّا نعلم يقينا أنّ الإنسان متى داوم على الصلاة - مثلا - دعاه ذلك إلى معرفة اللّه تعالى ؛ لأنّه عابد ، فيفتقر إلى معرفة المعبود ، وإلّا لكان غير عابد . وهي - أي معرفة المعبود - من أعلى الطاعات ، وحيث كانت ألطافا وجبت على اللّه تعالى ؛ لما عرفت آنفا من أنّ اللطف واجب في حكمته تعالى .
وأمّا أنّه كلّما كانت التكاليف السمعيّة واجبة كانت البعثة واجبة ؛ فلأنّ العلم بها
هامش
( 1 ) انظر : إرشاد الطالبين : 297 .
( 2 ) انظر : إرشاد الطالبين : 298 .