الرسالة والنبوّة ، كنبيّنا محمّد صلّى اللّه عليه واله ، فيجوز أن يكون الخطاب بالصفتين لمن جمع له بين الأمرين ؛ وذلك لا ينافي حصول الفرق بين من لم يجمع له بينهما وبين ما سواه .
وهذا بحمد اللّه في نهاية الظهور ، بل أظهر من النور على شواهق الطور .
إذا تحقّق هذا ، فلنرجع إلى الكلام على تعريف النبيّ ، وهو - على ما ذكره المصنّف - : ( الإنسان المخبر عن اللّه تعالى بغير واسطة أحد من البشر ) .
فقوله : ( الإنسان المخبر عن اللّه تعالى ) كالجنس شامل للنبيّ صلّى اللّه عليه واله والإمام ومن يروي عنهما ، ومخرج الملك ؛ لأنّه ليس بإنسان .
وقوله : ( بغير واسطة أحد من البشر ) مخرج للإمام ومن يروي عنه من الأئمّة الأعلام ، فإنّهم إنّما يروون عن اللّه تعالى بواسطة النبيّ .
وحيث قد انتهى بنا الكلام إلى هذا المقام ، فلا بأس بذكر بحثين تمسّ الحاجة إليهما ويحسن التعويل عليهما :
الأوّل : أنّ البعثة حسنة ؛ لجواز أن يعلم اللّه تعالى أنّ في بعض الأفعال لنا صلاحا وفي بعضها لنا فسادا ولا نعلم بها ، فيحسن بعث الأنبياء للإخبار بهما .
وقد وافق على هذا جميع العقلاء إلّا البراهمة « 1 » ، واحتجّوا بأنّ البعثة ؛ إمّا لما يوافق العقل ، أو لما يخالفه ، فإن كان الأوّل ففي العقل غنى عنه ، وإن كان الثاني لم يفعله .
أقول : وجوابه : أنّ البعثة لما يوافق العقل ، وهي على قسمين : ما يستقلّ العقل بإدراكه ، وما لا يستقل بإدراكه . وفائدة البعثة التنبيه على الثاني ومعاضدة الأوّل ؛ لأنّه إذا اجتمع العقل والنقل كان آكد .
الثاني : أنّها واجبة في الحكمة على اللّه تعالى ، بمعنى : أنّ الحكمة تقضي ذلك ؛ لا أنّ غيره أوجبها عليه ، كما مرّ غير مرّة .
هامش
( 1 ) انظر : أنوار الملكوت : 183 ، كشف المراد : 346 ، مناهج اليقين : 264 ، إرشاد الطالبين : 296 .