واجتماعهم مظنّة للتنازع ، لما اشتملت عليه القلوب من التغلب وحبّ الرئاسة ؛ ولأنّ كلّ واحد يقوده رأيه إلى العمل بمشتهاه وإرادته ، ويحب جلب النفع إلى نفسه ، وتدعوه نفسه الأمّارة بالسوء إلى جلب متاع الدنيا لنفسه ولو كان ظلما ، كما قال المتنبّي :
الظلم من شيم النفوس فإن تجد * ذا عفة فلعلّة لا يظلم « 1 »
وحينئذ « 2 » يلزم فساد النوع الإنساني وهلاكه ؛ لكثرة الهرج والمرج ، فيفوت الحكم المقصود من إيجاده ، وما ذاك إلّا لخلوّهم من العدل ، ومن أمور يتّفقون عليها ويرجع كلّ منهم إليها .
وحينئذ لابدّ منها ؛ لافتقار النوع الإنساني في حفظه إليها ، ولا يمكن تناولها جميع الجزئيّات على التفصيل ؛ لأنّ الجزئيّات المتجدّدة في الأزمان غير محصورة ، فلابدّ من قوانين كليّة ترجع جميع الجزئيّات إليها ، وهي الشريعة . فقد بان أنّ الشريعة واجبة ، فثبتت صغرى الدليل المذكور .
الثالث : أنّه كلّما وجبت الشريعة وجبت البعثة ، وهي كبرى الدليل .
وبيانها : أنّها لمّا ثبتت القوانين الكليّة التي هي الشريعة ، فلابدّ لها من واحد يقرّرها ويضبطها وليست الأشخاص ، وإلّا لكان النزاع في كيفيّة ضبطها وتقريرها ، وكلّ من الأشخاص في الحكم سواء ، فإيكالها لفرد دون آخر ترجيح بلا مرجّح ، فهي متلقّاة من الباري تعالى ، وحيث كان ممتنع المشافهة لخلقه ؛ لأنّه في غاية التقديس والخلق في غاية التعلق ، فلا قدرة لهم على احتمال أسراره ؛ لأنّ كلّهم ليس بمؤتمن عليها ، وجبت البعثة ، ولا تكون إلّا لذي جهتين : جهة تقدس بما
هامش
( 1 ) شرح ديوان المتنبّي 2 : 383 .
( 2 ) في المخطوط زيادة : لا .