ذلك المجسّمة « 1 » بناء منهم على أنّه جسم ، وإلّا فهم موافقون لنا على أنّ المجرّد لا تصحّ رؤيته . وأمّا الأشاعرة « 2 » فقد خالفوا جميع العقلاء ، حيث ذهبوا إلى أنّه وإن كان مجرّدا لكنه تصحّ رؤيته . والحقّ خلاف ذلك .
لنا على ما ادّعيناه وجوه من المعقول والمنقول :
أحدها : أنّ كلّ مرئيّ فهو في جهة ، ولا شيء من الواجب في جهة ، فلا شيء من المرئيّ بواجب ، وينعكس إلى : لا شيء من الواجب بمرئيّ ، وهو المطلوب .
أمّا الصغرى ؛ فلأنّ العقل يجزم جزما كليّا بأنّ المرئيّ إمّا مقابل ، أو في حكم المقابل ، كالصورة في المرآة ، وكلّ منهما لابدّ له من جهة .
وأمّا الكبرى ؛ فلأنّه قد سبق أنّ الباري تعالى ليس في جهة .
الثاني : أنّه لو صحّ أن يرى لرأيناه الآن ، لكن التالي باطل ، فالمقدّم مثله .
بيان الملازمة : أنّه حينئذ إنّما يكون بالبصر ، والحواس سليمة قابلة للرؤية ، فإذن لا مانع من أن يرى . وبطلان التالي ظاهر .
الثالث : قوله تعالى :
لَنْ تَرانِي
« 3 » [ فعبّر ] ب
لَنْ
المفيدة للتأبيد ، وإذا كان موسى رسول اللّه وكليمه لا يجوز أن يرى اللّه تعالى ، فما ظنّك بحالة الأشاعرة الذين يقصرون عن إدراك أدنى المراتب ؟ !
الرابع : قوله تعالى :
لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ
« 4 » ، فإنّه مدح نفسه بذلك ؛ لأنّه واقع بين مدحين ، فيجب أن يكون مدحا ؛ إذ توسط غير المدح بين المدحين ممّا لا يليق بكلام البلغاء ، فما ظنّك بكلام اللّه تعالى الذي عجزت عنه مصاقع « 5 » البلغاء ، ونكصت دون الوصول إليه فحول الفصحاء ؟ !
هامش
( 1 ) انظر : أنوار الملكوت : 83 ، شرح المقاصد 4 : 181 ، إرشاد الطالبين : 241 .
( 2 ) انظر : شرح المواقف 8 : 115 ، إرشاد الطالبين : 241 .
( 3 ) الأعراف : 143 .
( 4 ) الأنعام : 103 .
( 5 ) الصقع : البلاغة في الكلام والوقوع على المعاني . لسان العرب 7 : 376 - صقع .