الثاني : يَجِبُ أنْ يَكُونَ الإمامُ مَعْصُوماً ، وإلّا تَسَلْسَلَ ، لِأَنَّ الحاجةَ الداعِيَةَ إلَى الإمامِ هِيَ رَدْعُ الظالِمِ عَنْ ظلمِهِ والانتصافُ لِلمَظْلُومِ مِنْهُ « 1 » ، فَلَوْ جازَ أنْ يَكُونَ غَيْرَ مَعْصُومٍ لافْتَقَرَ إلَى إمامٍ آخَرَ ويَتَسَلْسَلُ ، وهو مُحالٌ . ولأَنّهُ لَوْ فَعَلَ المَعْصِيَةَ ، فَإنْ وَجَبَ الإنْكارُ عَلَيْهِ سَقَطَ مَحَلُّهُ مِنَ القلُوبِ وانْتَفَتْ فائِدَةُ نَصْبِهِ ، وَإنْ لَمْيَجِبْ سَقَطَ وُجُوبُ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنهيِ عَنِ المنكَرِ ، وهو مُحالٌ ، ولأَنّهُ حافِظٌ لِلشَرعِ ، فَلابُدَّ مِنْ عِصمَتِهِ لِيُؤمِنَ مِنَ الزِيادَةِ والنُقْصانِ . وقولُهُ تعالى :
« لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ »
« 2 »
.
شرح
الضَرَرِ مِنْ أنْفُسِهِمْ ، ودَفْعُ الضَرَرِ واجِبٌ .
قُلْنا : لانِزاعَ في كَوْنِها دافِعَةً لِلضَرَرِ وفِي كَوْنِهَا واجِبَةً ، وإنَّمَا النِزاعُ فِي تَفْوِيضِ ذَلِك إلَى الخَلْقِ ، لِمَا فِي ذَلِك مِنَ الاخْتِلافِ الواقِعِ فِي تَعيينِ الأئِمَّةِ ، فَيُؤَدِّي إلَى الضَرَرِ المَطْلُوبِ زَوالُهُ . وأيضاً اشْتِراطُ العِصْمَةِ ووُجُوبُ النَصِّ يَدْفَعُ ذَلِكَ كُلَّهُ .
قال : « الثاني : يَجِبُ أنْ يَكُونَ الإمامُ مَعْصُوماً . . . إلخ » .
أقول : لَمَّا ثَبَتَ وُجُوبُ الإمامَةِ شَرَعَ فِي تَبْيينِ الصِفاتِ الَّتِي هِيَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الإمامَةِ . فَمِنْهَا العِصْمَةُ ، وقد عَرَفْتَ مَعْنَاهَا ، واخْتُلِفَ فِي اشْتِراطِهَا فِي الإمامِ .
فَاشْتَرَطَها أصْحابُنَا الاثْنَاعَشَرِيَّةُ والإسْماعِيلِيَّةُ « 3 » خِلافاً لِباقِي الفِرَقِ . واسْتَدَلَّ
هامش
( 1 ) ذِكْرُ رَدْعِ الإمامِ الظالِمَ عَنْ ظُلْمِهِ وانْتِصافِهِ لِلمَظْلُومِ هُنا مِنْ بابِ المِثالِ وإلّا يَجِبُ أنْ يَكُونَالإمامُ مَعْصُوماً فِي جَمِيعِ دَوْراتِهِ كَالحُكُومَةِ عَلَى الامَّةِ وإجْراءِ الحُدُودِ وحِفْظِ الشَرْعِ و . . . .
( 2 ) البقرة : 124 .
( 3 ) هُمُ القائِلُونَ بِإمامَةِ إسْماعِيلِ بْنِ جَعْفَرِ الصَادِقِ بَعْدَ أبِيهِ ، ولَمْ يَخْتَلِفُوا عَنْ بَقِيَّةِ المَذاهِبِ الإسْلامِيَّةِ إلّابِهَذَا القَوْلِ .