الخامسُ : في نُبُوَّةِ نَبِيِّناً « 1 » مُحمَّدِ بْنِ عَبدُاللَّهِ بْنِ عَبدِالمُطَّلِبِ رَسُولِاللَّه صلى الله عليه وآله وسلم ، لِأنَّهُ ظَهَرَ المُعْجِزَةُ عَلى يَدِهِ كَالقُرآنِ وانْشِقاقِ القَمَرِ وَنُبُوعِ الماءِ مِنْ بَيْنِ أصابِعِهِ وإشْباعِ الخَلْقِ الكَثيرِ مِنَ الطَعامِ القَليلِ وتَسْبيحِ الحَصَى في كَفِّهِ ، وهِيَ أكْثَرُ مِنْ أنْ تُحْصَى . وادَّعَى النُبُوَّةَ فَيَكونُ صادِقاً ، وإلّا لَزِمَ إغْراءُ المُكَلَّفينَ بِالقَبيحِ ، فَيَكُونُ مُحالًا .
شرح
قال : « الخامسُ : في نُبُوَّةِ نَبِيِّناً محمّد . . . إلخ » .
أقول : لَمّا كانتِ المَصالِحُ تَخْتَلِفُ بِحَسَبِ اخْتِلافِ الأزْمانِ والأشْخاصِ - كَالمَريضِ الَّذِي يَخْتَلِفُ أحْوالُهُ في كَيفِيَّةِ المُعالَجَةِ واسْتِعْمالِ الأدْوِيَةِ بِحَسَبِ اخْتِلافِ مِزاجِهِ في تَنَزُّلاتِهِ في المَرَضِ بِحَيْثُ يُعالَجُ في وَقْتٍ بِمَا يَسْتَحِيلُ مُعالَجَتُهُ بِهِ في وَقْتٍ آخَرَ - كانَتِ النُبوَّةُ والشَريعَةُ مُخْتَلِفَتَينِ بِحَسَبِ اخْتِلافِ مَصالِحِ الخَلْقِ في أزْمانِهِمْ وأشْخاصِهِمْ « 2 » . وذلك هو السِرُّ في نَسْخِ الشَرايِعِ بَعْضُهَا لِبَعْضٍ إلى أنِ انْتَهتِ النُبُوَّةُ والشَريعَةُ إلى نَبِيِّنا محمّدٍ صلى الله عليه وآله الَّذِي اقْتَضَتِ الحِكْمَةُ كَوْنَ نُبُوَّتِهِ وشَريعَتِهِ ناسِخَتَيْنِ لِمَا تَقَدَّمَهُمَا باقِيَتَيْنِ بِبَقاءِ التكْلِيفِ « 3 » .
هامش
( 1 ) إنَّما بَحَثَ المُصَنِّفُ والشَارِحُ رحمهما الله في النُبُوَّةِ الخاصَّةِ عَنْ نُبُوَّةِ نَبِيِّنَا ولَمْ يَبْحَثَا عَنْ نُبُوَّةِ نَبِيٍّقَبْلَهُ لأنَّ نُبُوَّتَهُمْ غَيْرُ قابِلةٍ لِلإثْباتِ بِغَيرِ طَريقِ الإسْلامِ لِبُعْدِ زَمانِهِمْ عَنَّا وعَدَمِ الإعْجازِ عَنْهُمْ في أيْدينا وتَحْريفِ كُتُبِهِمْ أوْ زَوالِهَا قَبْلَ القُرْآنِ ، ولَوْ فُرِضَ إمْكانُ إثْباتِ نُبُوَّةِ كُلِّ نَبيٍّ قَبْلَهُ صلى الله عليه وآله وسلم يَطُولُ المَقالُ مَعَ ضِيقِ المَجالِ ، وهو اسْتِحالَةُ الظَفَرِ بِتارِيخِ جَميعِ الأنْبياءِ وقِصَصِهِمْ كَمَا نَصَّ القُرْآنُ على ذلك ، وبِناءً على هذا لايُمْكِنُ إثْباتُ نُبُوَّةِ نَبِيِّنَا صلى الله عليه وآله وسلم بِسَبَبِ نُبُوَّتِهِمْ إلَّاتَأييداً لَها ، وَلَكِنْ نُبُوَّتُهُ وتَصْديقُهُ صلى الله عليه وآله وسلم إيّاهُمْ دَلِيلٌ قاطِعٌ على ثُبُوتِ نُبُوَّتِهِمْ عليهم السلام .
( 2 ) يُوجَدُ الاخْتِلافُ في شَرايِعِ الأنْبِياءِ خاصَّةً ، الَّتِي هِيَ مُقَرَّراتٌ عَمَلِيَّةٌ ، ولا اخْتِلافَ بَيْنَالأنْبِياءِ عليهم السلام في أصْلِ الدِّينِ الَّذِي هُوَ عِبارَةٌ عَنْ مُعْتَقَداتٍ حَقَّةٍ ثابِتَةٍ .
( 3 ) وَالأدِلَّةُ عَلى خاتَمِيَّةِ نُبُوَّتِهِ صلى الله عليه وآله إلى انْقِضاءِ الخَلْقِ كَثيرَةٌ وإنْ لَمْيَتَعَرَّضْ لَهَا قُدَماءُ