شرح
الخَبِيرِ أنْ يُقَدِّمَ المَفْضُولَ المُحْتاجَ إلى التَكْمِيلِ على الفاضِلِ المُكَمَّلِ عَقْلًا وسَمْعاً « 1 » . أمّا عَقْلًا فَظاهِرٌ إذْ يَقْبُحُ في الشَاهِدِ أنْ يُجْعَلَ مُبْتَدِئاً في الفِقْهِ مُقَدَّماً علَى ابْنِ عَباس وغَيْرِهِ مِنَ الفُقَهاءِ ، ويُجْعَلَ مُبْتَدِئاً في المَنْطِقِ مُقَدَّماً على أرِسْطُو ، ومُبْتَدِئاً في النَحْوِ مُقدَّماً علي سِيبَوَيْهِ والخَليلِ ، وكَذا في كُلِّ فَنٍّ مِنَ الفُنُونِ . وأمّا سَمْعاً فَمَا أشارَ إليهِ سُبحانَهُ في الآيَةِ المَذْكُورَةِ وغَيْرِهَا .
لَمّا كانَ المَطْلوبُ مِنَ الخَلْقِ هو الانْقِيادُ التامُّ لِلنَبِيِّ صلوات اللَّه عليه وإقْبالُ القُلُوبِ عَلَيْهِ وَجَبَ أنْ يَكُونَ مُتَّصِفاً بِأوْصافِ المَحامِدِ مِنْ كَمالِ العَقْلِ والذَكاءِ والفِطْنَةِ وعَدَمِ السَهْوِ وقُوَّةِ الرَأي والشَهامَةِ والنَجْدَةِ والعَفْوِ والشَجاعَةِ والكَرَمِ والسَخاوَةِ والجُودِ والإيثارِ والغِيرَةِ والرَأفَةِ والرَحْمَةِ والتواضُعِ واللِينِ وغَيْرِ ذَلك .
وأنْ يَكُونَ مُنَزَّهاً عَنْ كُلِّ مَا يُوجِبُ التنْفيرَ عنه ، وذلك إمّا بِالنِسْبَةِ إلى الخارِجِ عنه فَكَمَا في دَناءَةِ الآباءِ وعُهْرِ الامَّهاتِ ، وإمّا بِالنِسْبَةِ إليه ، فَإمّا في أحْوالِهِ فَكَمَا في الأكْلِ على الطَريقِ ومُجالَسَةِ الأراذِلِ وأنْ يَكُونَ حائِكاً أوْ حَجّاماً أوْ زَ بّالًا أوْ غَيْرَ ذلك مِنَ الصَنائِعِ الرَذِيلَة ، وإمّا في أخْلاقِهِ فَكَالحِقْدِ والجَهْلِ والخُمُودِ والحَسَدِ والفَضاضَةِ والغِلْظَةِ والبُخْلِ والجُبْنِ والمُجُونِ والحِرْصِ على الدُنْيا والإقْبالِ عَلَيها ومُراعاةِ أهْلِهَا ومُعافاتِهِمْ في أوامِرِ اللَّهِ وغَيْرِ ذلك مِنَ الرَذائِلِ ، وإمّا في طِباعِهِ فَكَالبَرَصِ والجُذامِ والجُنُونِ والبَكَمِ والبَلَهِ والابْنَةِ ، لِما في ذلك كُلِّهِ منَ النَقْصِ المُوجِبِ لِسُقُوطِ مَحَلِّهِ مِنَ القُلُوبِ .
هامش
( 1 ) بِهَذا الدَليلِ يَثْبُتُ قُبْحُ المَفْضُولِ على الفاضِلِ ولايَثْبُتُ بِهِ قُبْحُ تَقْدِيمِ أحَدِ المُتَساوِيَيْنِ فيالنُبُوَّةِ أوِ الإمامَةِ على الآخَرِ ، وهو يَنْتَهِي إلى الترْجِيحِ مِنْ غَيْرِ مُرَجِّحٍ وهو قَبيحٌ أيضاً .