الثالثُ : فِي أَنَّهُ مَعْصُومٌ مِنْ أَوّلِ عُمْرِهِ إلى آخِرِهِ ، لِعَدَمِ انْقِيادِ القُلُوبِ إلى طاعَةِ مَنْ عُهِدَ مِنْهُ فِي سالِفِ عُمْرِهِ أَنْواعُ المعاصِي الكَبائِرِ والصَغائِرِ ومَا تَنْفُرُ النَفْسُ عَنْهُ « 1 » .
شرح
الأوّل : ما أشارَ إليهِ المُصَنِّفُ وتَقْريرُهُ أنّهُ لَوْ لَمْيَكُنِ الأنْبِياءُ مَعْصُومِينَ لانْتَفَتْ فائِدَةُالبِعْثَةِ ، واللازِمُ باطِلٌ فَالمَلْزُومُ مِثْلُهُ . بَيانُالمُلازَمَةِ : أَنَّهُ إذا جازَتِ المَعْصِيَةُ عَليهِمْ لَمْيَحْصُلِ الوُثُوقُ بِصحَّةِ قَوْلِهِمْ لِجَوازِ الكَذِبِ حِينَئِذٍ عَلَيهمْ ، وَإذا لَمْ يَحصُلِ الوُثوقُ لَم يَحصُلِ الانْقِيادُ لأمْرِهِمْ ونَهْيِهِمْ ، فَيَنْتَفي فائِدَةُ بَعْثِهِمْ « 2 » ، وهو مُحالٌ .
الثاني : لَوْ صَدَرَ عَنْهُمُ الذَنْبُ لَوَجَبَ اتِّباعُهُمْ لِدَلالَةِ النَقْلِ على وُجُوبِ اتِّباعِهِمْ ، لَكِنَّ الأمْرَ حِينَئِذٍ بِاتِّباعِهِمْ مُحالٌ لأنَّهُ قَبِيحٌ ، فَيَكُونُ صُدُورُ الذَنْبِ عَنْهُمْ مُحالًا « 3 » وهو المطلوبُ .
قال : « الثالثُ : فِي أنَّهُ مَعْصُومٌ . . . إلخ » .
أقول : ذَهَبَ القائِلُونَ بِعِصْمَتِهِمْ « 4 » فيما نَقَلْناهُ عَنْهُمْ إلى اخْتِصاصِ ذلك بِمَا
هامش
أفْعالِ اللَّهِ المُحْكَمَةِ المُتْقَنَةِ ، فَلايَحْصُلُ ذَلكَإلّا بِعِصْمَتِهِالعامَّةِ الشامِلَةِ عَنالسَهْوِ والنِسْيانِ والخَطَأ .
( 1 ) مُضافاً بِأنَّ صُدُورَ الذَنْبِ عَنْ نَبِيٍّ غَيْرِ مَعْصُومٍ بِالفَرْضِ يُنافِي اللُطْفِيَّةَ ، لأنَّ المَبْعُوثَ على هذا الحالِ - أيْ المَعْهُودُ مِنْهُ أمْرُ المَعاصِي في سالِفِ عُمْرِهِ - يُبَعِّدُ النَاسَ عَنِ الطَاعَةِ فَضْلًا مِنْ أنْ يُقَرِّبَهُم إلَيْهَا ، ويُقَرِّبُهُمْ إلى المَعْصِيَةِ فَضْلًا عَنْ أنْ يُبَعِّدَهُم عَنْهَا ، فَتَأمَّلْ .
( 2 ) وهِيَ إصْلاحُ جَميعِ ما يَتَعَلَّقُ بِأمْرِ مَعاشِ النَاسِ ومَعادِهِمْ والنَاسُ عِنْدَ ذلك يَبْقُونَ حَيارَى في مَعرَضِ الزَوالِ والاضْمِحْلالِ .
( 3 ) نُضيفُ هُنَا أنَّ العِصْمَةَ على حَسَبِ تَعْريفِ المُصَنِّفِ عَنْهَا لُطْفٌ واللُطْفُ واجِبٌ على اللَّهِ ، فَهُوَتعالى لايُخِلُّ بِأيِّ واجبٍ ( كَمَا مَرَّ في إثْباتِ العَدْلِ ) فَإذا لَمْ يَكُنِ النَبِيُّ مَعْصُوماً لَزِمَ أنْ يَبْعَثَ اللَّهُ غَيْرَ مَعْصُومٍ بِالنُبُوَّةِ وهو إخْلالٌ بِالواجِبِ الَّذي يُنافي العَدْلَ ، ويَنْبَغِي العِلْمُ بِأنَّ الدَليلَ على إثْباتِ العِصْمَةِ كَثِيرٌ جِدّاً .
( 4 ) غَيْرُ الإمامِيَّةِ .