شرح
عَلى ذلك لأجْلِ مَلَكَةٍ نَفْسانِيَّةٍ « 1 » ، لُطْفٌ يَفْعَلُ اللَّهُ بِحَيثُ لايَخْتارُ مَعَهُ تَرْكَ طاعَةٍ ولافِعْلَ مَعْصِيَةٍ مَعَ قُدْرَتِهِ على ذلك . وذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلى أنَّ المَعْصُومَ لايُمْكِنُهُ الإتْيانُ بِالمَعاصِي ، وهو باطِلٌ ، وإلّا لَمَا اسْتَحَقَّ مَدْحاً « 2 » .
إذا تَقَرَّرَ هذا فَاعْلَمْ أنَّ الناسَ اخْتَلَفُوا في عِصْمَةِ الأنْبِياءِ عليهم السلام . فَجَوَّزَتِ الخَوارِجُ عليهمُ الذُنُوبَ ، وعِنْدَهُمْ كُلُّذَنْبٍ كُفْرٌ . والحَشْوِيَّةُ « 3 » جَوَّزُوا الإقْدامَ على الكَبائِرِ ، ومِنْهُمْ مَنْ مَنَعَهَا « 4 » عَمْداً لاسَهْواً ، وجَوَّزُوا تَعَمُّدَ الصَغايِرِ . والأشاعِرَةُ « 5 » مَنَعُوا الكَبائِرَ مُطْلَقاً وجَوَّزُوا الصَغائِرَ سَهْواً . والإمامِيَّةُ أوْجَبُوا « 6 » العِصْمَةَ مُطْلَقاً عَنْ كُلِّ مَعْصِيَةٍ عَمْداً وسَهْواً « 7 » ، وهُوَ الحَقُّ لِوَجْهَيْنِ :
هامش
( 1 ) وهذهِ المَلَكَةُ لايُتَصَوَّرُ إلّاأنْ تَكُونَ مَلَكَةًعِلْمِيَّةً ، وَجَديرٌ بِالذِكْرِ أنَّالقُدْرَةَ علىتَرْكِ الطاعَةِو فِعْلِالمَعْصِيَةِ فَرْقٌ بَيْنَالأنْبِياءِ والأئِمَّةِ عليهم السلام والمَلائِكَةِ ، لأنَّالمَلَكَ لايَقْدِرُ على ذلكأصْلًا ، فَاسْتِحالَةُ صُدُورِ الذَنْبِ عَنْ إنْسانٍ مَعْصُومٍ امْتِناعٌ وُقُوعِيٌّ وعَنِ المَلَكِ ذاتِيٌّ . وتَعْبِيرُ الشَارِحِ بِجُمْلَةِ « لأجْلِ مَلَكَةٍ نَفْسانِيَّةٍ » إشارَةٌ إلى قابِلِيَّةِ النَبِيِّ لِلُطْفِ الخَفِيِّ الَّذي ذُكِرَ في تَعْريفِ العِصْمَةِ .
( 2 ) ولَمَا كانَ مُكَلَّفاً ويَكُونُ كَالصَبِيِّ ، وهو خُلْفٌ ، لأنَّ المَعْصُومَ كَسائِرِ المُكَلَّفينَ .
( 3 ) الحَشْوِيَّةُ اسْمٌ اطْلِقَ عَلَى المُحَدِّثينَ القائِلِينَ بِنَفْي التأوِيلِ ( المُنْجِد ) ولَهُمْ عَقائِدُ باطِلَةٌكَالقَوْلِ بِالجَبْرِ والتشْبِيهِ وتَوْصيفِهِ تعالى بِالنَفْسِ واليَدِ والسَمْعِ والبَصَرِ وغَيْرِ ذلك مِنَ الأباطِيلِ . ( تلخيصٌ في المِلَلِ والنِحَلِ : 42 ) .
( 4 ) أي اعتقَدَ بِأنَّ لِلنَبيّ مانعاً عَنِ الذَنْبِ أيَّ مانِعٍ كانَ .
( 5 ) الأشاعِرَةُ فِرْقَةٌ عَقِيدِيَّةٌ مِنَ الفِرَقِ الإسْلامِيَّةِ ومُؤَسِّسُها أبُوالحَسَنِ الأشْعَرِيِّ ، ومُعْظَمُ عَقائِدِهِم القَوْلُ بِالجَبْرِ في أعْمالِ العِبادِ ، ثُمَّ ذَهَبُوا إلى القَولُ بِالعَدْلِ وأعْرَضُوا عَنْ عَقائِدِهِمُ السابِقَةِ في القُرُونِ الأخِيرَةِ . ( نقْلًا عن حاشِيَة النُكتِ الاعْتِقادِيَّةِ : 26 ) .
( 6 ) لَيْسَ مَعْنى « أوْجَبُوا » إنَّهُمْ جَعَلُوا وُجُوبَ العِصْمَةِ جَعْلًا تَكْلِيفِيّاً لِلأنْبِياءِ ، بَلْ مَعْناهُ اعْتَقَدُوابِوُجُوبِ العِصْمَةِ ولُزُومِهَا لَهُمْ .
( 7 ) بَلْعَنِالسَهْوِ والنِسْيانِ والخطأ أيضاًلأَنَّهَامِنْ أجْلَى المُقَرِّباتِ إلَىالطاعَةِ والمُبَعِّداتِ عَنِالمَعْصِيَةِ ، فَلابُدَّ أنْيَكُونَ أتَمَّ فيالتقْريبِ والتبْعِيدِ ولاسِيَّمَا إذا كانَ بَعْثُ المَعْصُومِ ونَصْبُهُ فِعْلٌ مِنْ