الثاني « 1 » : في إنّا فاعلونَ بِالاخْتيارِ « 2 » ، والضَرُورةُ قاضِيَةٌ بِذلكَ ، لِلفَرْقِ الضَرُورِيِّ بَيْنَ سُقُوطِ الإنْسانِ مِنْ سَطحٍ ونُزُولِهِ مِنهُ على الدَرَج ، وإلّا لامْتَنَعَ تَكلِيْفُنا بِشَيءٍ فَلاعِصيانَ ، ولِقُبْحِ أنْ يَخْلُقَ الفِعلَ فِيْنا ثُمَّ يُعَذِّبَنا عَلَيْهِ وَلِلسَمْعِ .
شرح
قال : « الثاني : في إنّا فاعلونَ بِالاخْتيارِ . . . إلخ » .
أقول : ذَهَبَ أبُوالحَسَنِ الأشْعَرِيُّ ومَنْ تابَعَهُ إلى أنَّ الأفْعالَ كُلَّهَا واقِعَةٌ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تعالى وأَنَّهُ لافِعْلَ لِلعَبْدِ أصْلًا « 3 » .
وقال بَعْضُ الأشْعَرِيَّةِ : إنَّ ذاتَ الفِعْلِ مِنَ اللَّهِ والعَبْدُ لَهُ الكَسْبُ ، وفَسَّرُوا الكَسْبَ بِأنَّهُ كَوْنُ الفِعْلِ طاعَةً أوْ مَعْصِيَةً . وقال بَعْضُهُمْ : مَعْناهُ أنَّ العَبْدَ إذَا صَمَّمَ العَزْمَ على الشَيْءِ خَلَقَ اللهُ تعالى الفِعْلَ عَقِيبَهُ .
وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ والزيديَّةُ والإمامِيَّةُ : إنَّ الأفْعالَ الصادِرَةَ مِنَ العَبْدِ وصِفاتَهَا والكَسْبَ الَّذِي ذَكَرُوهُ « 4 » كُلُّهَا وَاقِعَةٌ بِقُدْرَةِ العَبْدِ واخْتِيارِهِ ، وإنَّهُ لَيْسَ بِمَجْبُورٍ عَلى
هامش
( 1 ) أيْ المَبْحَثُ الثاني مِنْ مَباحِثِ العَدْلِ ، تَفَرُّعُ هذا البَحْثِ على مُوضُوعِ العَدْلِ يَتَبَيَّنُ بِأنَّا إذاكُنّا فاعِلِينَ بِالاخْتِيارِ وآمَنّا وعَمِلْنَا الصَالِحاتِ فَأثابَنَا اللَّهُ ثَواباً أوْ كَفَرْنَا ولَمْ نَعْمَلِ الصالِحاتِ فَعاقَبَنَا اللَّهُ بِذلك لَمْيَفْعَلْ قَبِيحاً ولَمْ يُخِلَّ بِواجِبٍ ، وإنْ جازانا بِالثَوابِ على الكُفْرِ والمَعاصِي وبِالعِقابِ على الإيمانِ والصَالِحاتِ فَهَذا مِنْ أوْضَحِ مَصَادِيقِ فِعْلِ القَبِيحِ والإخْلالِ بِالواجِبِ .
( 2 ) أقْوالُ أهْلِالكَلامِ فيالمَقامِ تَنْحَصِرُ فيثَلاثَةِ أقْوالٍ : قَوْلٌ بِالجَبْرِ ، وقَوْلٌ بِالاخْتِيارِالتامِّ ، وقَوْلٌ بِالاخْتِيارِ المَحْدُودِ . والإمامِيَّةُ قائِلَةٌ بِأخِيرِ الأقْوالِ ويُعَبِّرُونَ عَنْهُ بِالأمْرِ بَيْنَ الأمْرَيْنِ أوْ شِبْهِهِ .
( 3 ) مُرادُهُم بِالأفْعالِ الَّتي لَيْسَ لِلْعَبْدِ هي الأفْعالُ غَيرُ الطَبِيعِيَّةِ لاذاتُ الفِعْلِ ولاكَسْبُهُ الآتي ذِكْرُهُ كَمُطالَعَةِ الكِتَابِ والتعْلِيمِ والتعَلُّمِ والبَيْعِ والشَراءِ وغَيْرُ ذَلك مِنْ هَذَا القَبِيل .
( 4 ) لانُسَلِّمُ نِسْبَةَ الكَسْبِ على إطْلاقِهِ لِلعَبْدِ ، بَل نسْبَةُ كَسْبِ اليَدِ بِتَفْسِيرِ الأوّلِ مُسَلَّمٌ دُونَالثاني لأنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ أنْ يَكُونَ العَبْدُ خالِقاً ، هَذا خُلْفٌ .