الثالثُ : فِي اسْتِحالَةِ القُبْحِ عَلَيْهِ تعالى « 1 » ، لِانَّ لَهُ صارِفاً عَنْهُ وَهُوَ العلمُ بِالقُبْحِ ، وَلاداعِيَ لَهُ إلَيْهِ لِأَنَّهُ إمّا داعِي الحاجَةِ الممْتَنِعَةِ عَلَيْهِ ، أوِ الحِكْمَةُ ، وَهُوَمُنْتَفٍ هُنا . وَلأ نَّهُ لَوْجازَ صُدُورُهُ لامْتَنَعَ إثْباتُ النُبُوّاتِ ،
شرح
إلىغَيْرِذلك وكَذلكَآياتُالوَعْدِ والوَعيدِ والذَمِّ والمَدْحِ ، وهِيَأكْثَرُ مِنْأنْتُحْصَى « 2 » .
قال : « الثالثُ : فِي اسْتِحالَةِ القُبْحِ عَلَيْهِ تعالى . . . إلخ » .
أقول : يَسْتَحيلُ أنْيَكُونَ البارِى تعالى فَاعِلًا لِلقَبيحِ ، وهُوَمَذْهَبُ المُعْتَزِلَةِ ، وعِنْدَ الأشاعِرَةِ هو فاعِلُ الكُلِّ حَسَناً كانَ أوْ قَبيحاً « 3 » . والدَليلُ عَلى ما قُلْناهُ « 4 » وَجْهانِ :
الأوّلُ : أنَّ الصّارِفَ عَنْهُ مَوْجوُدٌ والداعِي إلَيْهِ مَعْدُومٌ « 5 » ، وكُلَّمَا كانَ كَذلك امْتَنَعَ الفِعْلُ ضَرُورَةً . أمّا وُجُودُ الصارِفِ فَهُوَ القُبْحُ واللَّهُ تعالى عَالِمٌ بِهِ . وأمّا عَدَمُ الداعِي فَلأَنَّهُ إمّا داعِيَالحاجَةِ إلَيْهِ وهُوَعليه مُحالٌ ، لأنَّهُ غَيْرُ مُحْتاجٍ « 6 » ، وإمّاداعِيَالحِكْمَةِ
هامش
الأحقاف ، والآية 24 من سورة الواقعة . وهو قوله تعالى :« جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ » .( 1 ) صِلَةُ هَذا المَبْحَثِ بِالعَدْلِ لايَخْفَى عَلى كُلِّ عاقِلٍ ، لأنَّ الفِعْلَ القَبِيحَ إنْ كانَ جائِزاً عَليهِتعالى كَيْفَ يُمْكِنُ الاعْتِقادُ بِعَدْلِهِ ؟ ! أمْ كَيْفَ يُجْمَعُ فِعْلُ القَبِيحِ مَعَ العَدْلِ ؟ !
( 2 ) الوَجْهُ الخامِسُ : وُجُودُ قُوَّةِ الاخْتِيارِ في الإنْسانِ . تَوْضِيحُهُ : لَوْ لَمْيَكُنِ العَبْدُ مُخْتاراً في فِعْلِهِ لَما خَلَقَ اللَّهُ فِيهِ تِلْكَ القُوَّةَ لِلُزُومِهِ اللَغْوِيَّةِ ، فَوُجُودُ هَذِهِ القُوَّةِ دَليلٌ عَلى أَنَّهُ مُخْتارٌ في أفْعالِهِ .
( 3 ) ظانِّينَ بِأَنَّهُ مَذْهَبٌ يَكْمُلُ بِهِ التوْحِيدُ الأفْعالِيّ وهُمْ غافِلُونَ عَنْ أَنَّهُ مَذْهَبٌ يَلْزَمَهُم مِنَ القَوْلِ بِهِ إنْكارُ حِكْمَتِهِ الذَاتِيَّةِ سُبْحانَهُ .
( 4 ) وَالأولَى أنْ يُعَبَّرَ عَنْ هَذِهِالجُمْلَةِ « بِمَا قُلْنَا » بِهِ بَدَلَ « مَا قُلْنَاهُ » لأنَّ صُدُورَ القَوْلِ بِمَعْنَى الكَلامِ عَنِ القائِلِ لايَحْتَاجُ إلى دَليلٍ ، ومَايَحْتاجُ إليهِ هُو القَوْلُ بِمَعْنَى الاعْتِقادِ الَّذِي يَتَعَدَّى بِالباءِ .
( 5 ) قَدْ مَرَّ في مَبْحَثِ الإرادَةِ أنَّ الصارِفَ المَوْجُودَ لايَصْرِفُهُ تعالى عَنِ الإيجادِ بَلْ يَنْصَرِفُ بِهِالقَبِيحُ عَنْ قَبُولِ الوُجُودِ مِنْهُ سُبْحانَهُ ، لأنَّ الباري لايَتَأثَّرُ ولايُغْلَبُ عَنْ شَيْءٍ .
( 6 ) لايَنْحَصِرُ الدَاعِي في الحاجَةِ بَلْ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ الدَاعِي غَيْرُهَا ، كَالجَهْلِ بِقُبْحِ القَبِيحِ أوِالعَجْزِ عَنْ تَرْكِهِ أوِ العَبَثِ في فِعْلِهِ .