شرح
فحينئذٍ يَسْتَحيلُ عَلَيْهِ إرادَةُ القبيحِ « 1 » لأنّها قَبيحَةٌ « 2 » .
المَوْجُودَةِ فيهِ وهُو مُحالٌ ، لِأنَّ القَبيحَ لاحِكْمَةَ فِيهِ .
الثاني : أَنَّهُ لَوْ جازَ عَليهِ القَبيحُ لامْتَنَعَ إثْباتُ النُبُوّاتِ ، واللازِمُ باطِلٌ إجْماعاً ، فَالمَلْزُومُ مِثْلُهُ . بَيانُ المُلازَمَةِ : أَنَّهُ حينَئِذٍ لايَقْبَحُ مِنْهُ تَصْديقُ الكاذِبِ ومَعَ ذَلك لايُمْكِنُ الجَزْمُ بِصِحَّةِ النُبُوَّةِ ، وهو ظاهِرٌ « 3 » .
قال : « فحينئذٍ يَسْتَحيلُ عَلَيْهِ إرادَةُ القبيحِ . . . إلخ » .
أقول : ذَهَبَتِ الأشاعِرَةُ إلى أَنَّهُ تعالى مُريدٌ لِمَجْمُوعِ الكائِناتِ حَسَنَةً كانَتْ أوْ قَبِيحَةً ، شَرّاً كانَ أوْ خَيراً ، إيماناً أوْ كُفْراً ، لأنَّهُ مُوجِدٌ لِلكُلِّ ، فَهُوَ مُريدٌ لَهُ « 4 » .
وذَهَبَتِ المُعْتَزِلَةُ إلى اسْتِحالَةِ إرادَتِهِ لِلقَبيحِ والكُفْرِ . وهُوَ الحَقُّ لأنَّ إرادَةَ القَبيحِ أيضاً قَبِيحَةٌ ، لأنَّا نَعْلَمُ ضَرُورَةً أنَّ العُقَلاءَ كَمَا يَذُمُّونَ فَاعِلَ قَبيحٍ فَكَذا مُريدَهُ « 5 »
هامش
( 1 ) وكَذَا الإخْلالُ بِالواجِبِ الَّذِي جاءَ في تَعْريفِ العَدْلِ ولَمْيَذْكُرْهُ المُصَنِّفُ بَعْدُ في إثْباتِ امْتِناعِ صُدُورِ القَبِيحِ عَنْهُ سُبْحانَهُ .
( 2 ) إنْ كانَ المُرادُ بِهَا إرادَةٌ ذَاتِيَّةٌ أيْ العِلْمُ بِمَصْلَحَةِ الفِعْلِ فَلايُفْرَضُ فِيهَا قُبْحٌ ، وإنْ كانَ المُرادُ بِهَا إرادَةٌ فِعْلِيَّةٌ فَإرادَتُهُ مِصْداقاً عَيْنُ فِعْلِهِ سُبْحانَهُ لامَفْهُوماً ، وعلى أيِّ تَقْدِيرٍ اسْتَدَلَّ بِهِ المُصَنِّفُ فَهُوَ دَليلٌ عَقْلِيٌّ يَتَأيَّدُ بِقَوْلِهِ تعالى« وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعالَمِينَ »( آلعمران : 108 ) . ويَظْهَرُ مِنْ إنكارِهِ تعالى إرادَتُهُ الظُّلْمَ أنَّ المُرادَ مِنَ الإرادَةِ إرادَتُهُ الفِعْلِيَّةُ ، فَتَدَبَّرْ .
( 3 ) الدَليلُ الثالِثُ مُنافاةُ صُدُورِ القَبِيحِ الَّذِي هُو نَقْصٌ وعَدَمُ الحُسْنِ عَنْ ذاتٍ فاعِلَةٍ الَّتي هي كَمالٌ مَحْضٌ ووُجُودٌ صِرْفٌ .
( 4 ) الظاهِرُ أنَّ هُنَا وَقَعَ خَطأٌ في نَقْلِ القَوْلِ عَنْهُمْ لأنَّهُمْ لايَعْتَقِدُونَ قُبْحاً في ذَوَاتِ الامُورِالشَرِيرَةِ ، بَلْ يَقُولُونَ بِأنَّ كُلَّ مَا يَفْعَلُهُ اللَّهُ لَيْسَ في ذَاتِهِ حُسْنٌ ولاقُبْحٌ .
( 5 ) ذَمُّالعُقَلاءِ فَاعِلَالقَبِيحِ والآمِرَبِهِ مُسلَّمٌ ، وَلَكِنْ ذَمُّهُمْ لِلمُريدِ لِمُريدِ القَبيحِ مَا لَمْيَفْعَلِ المُرادَ أوْلَمْيَأمُرْ بِمَا يُريدُ غَيْرُ مُسَلَّمٍ . فَبِهَذَا الدَليلِ لايَثْبُتُ لأهْلِ الحَقِّ مَا ادّعَوا ولايَبْطُلُ لِلأشاعِرَةِ