تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الباب الحادى عشر ( جامعة المدرسين ، تعليقات نظامي ) — صفحة 59

مساهمون:

ص٥٩
الوَديْعَةِ وَالإحْسانِ والصِدْقِ النافِعِ ، وَبَعْضُها ما هوَ قَبيحٌ كَالظُلْمِ والكَذِبِ الضارِّ . وَلِهذا حَكَمَ بِهِما مَنْ نَفى الشرايِعَ كَالمَلاحِدَةِ وَحُكَماءِ الهِنْدِ ، وَلأَنّهُما لَوِ انْتَفَيَا عَقْلًا لانْتَفَيا سَمْعاً ، لانْتِفاءِ قُبْحِ الكَذِبِ حِينَئِذٍ مِنْ الشارِعِ .
شرح
أقول : لَمّا فَرَغَ مِنْ مَباحِثِ التوْحيدِ « 1 » شَرَعَ في مَباحِثِ العَدْلِ « 2 » . والمُرادُ بِالعَدلِ هو تَنْزيهُ « 3 » الباري تعالى عَنْ فِعْلِ القَبيحِ والإخْلالِ بِالواجِبِ . ولَمّا تَوَقَّفَ ذلك عَلى مَعْرِفَةِ الحُسْنِ والقُبْحِ العَقْلِيَّيْنِ قَدَّمَ البَحْثَ عَنْهُ . واعْلَمْ أنَّ الفِعْلَ ضَرورِيُّ التصَوُّرِ ، وهو إمّا أن‌ْيَكُونَ لَهُ وَصْفٌ زائِدٌ عَلى حُدُوثِهِ أوْ لا . والثاني كَحَرَكَةِ الساهِي والنائِمِ . والأوّلُ إمّا أنْ يَنْفُرَ العَقْلُ مِنْ ذلك الزائِد أوْ لا . والأوّلُ هو القَبيحُ « 4 » . والثاني - وهو الَّذي لايَنْفُرُ العَقْلُ مِنْهُ - إمّا أنْ يَتَساوَى
هامش
( 1 ) إنَّ لِكَلِمَةِ التوْحيدِ مَعْنَيَيْنِ : خاصٌّ وعامٌّ . فَالخاصُّ مِنْهُمَا يَقَعُ قِبالَ القَوْلِ بِالإشْراكِ ، أيْ تَعَدُّدِالآلِهَةِ بِأيِّ نَحْوٍ كانَ . والعامُّ مِنْهُمَا يَعُمُّ جَميعَ المَسائِلِ والفُرُوعِ الَّتِي تَرْجِعُ إلى مَوضُوعِ اللهِ ، فَمُرادُ الشارِحِ مِنْ مَباحِثِ التوْحيدِ هُنا هُوَ المَعْنَى العامِّ . ( 2 ) الحَقُّ أنَّ العَدْلَ لَيْسَ أصْلًا مُسْتَقِلّاً مِنْ الدِينِ بَلْ هو مَسْألَةٌ مِنْ مَسائِلِ التوْحيدِ ، وصِفَةٌ مِنَ الصِفاتِ الثُبُوتِيَّةِ أوِ الفِعْلِيَّةِ ، وَلَكِنْ أفْرَدَ العُلَماءُ البَحْثَ عَنهُ بِعُنْوانِ أصْلٍ مُسْتَقِلٍّ مِنَ الدِينِ أوِ المَذْهَبِ لِوُجُودِ المُخالِفِ فِيهِ . ( 3 ) التعْبيرُ بِالتَنَزُّهِ هُنَا بَدَلَ التنْزِيهِ أوْلى في تَعْريفِ العَدْلِ نَفْسِهِ ، لأنَّ التعْبيرَ بِالتَنْزِيهِ يَشْمُل‌ُالاعْتِقادَ بِالعَدْلِ لانَفْسَ العَدْلِ . ( 4 ) يَلزَمُ هُنا ذِكْرُ أنَّ القَبيحَ مَقْسَمٌ ، وهو يَنْقَسِمُ إلى قِسْمَي الحَرامِ والمَكْرُوهِ ، فَتَكُونُ النِسْبَةُالمَنْطِقِيَّةُ بَيْنَ القَبيحِ مِنْ جِهَةٍ والحَرامِ والمَكْرُوهِ مِنْ جِهَةٍ اخْرَى نِسْبَةُ العُمُومِ والخُصُوصِ المُطْلَقِ ، أيْ القَبيحُ عامٌّ مُطْلَقٌ ، وكُلٌّ مِنَ الحَرامِ والمَكْرُوهِ خاصٌّ مُطْلَقٌ .