الخامِسةُ : فِي نَفْيِ الشَريكِ عَنْهُ ، لِلسَمْعِ « 1 »
شرح
أمّا عَقْلًا فَلأَنَّهُ لو كانَ مَرْئيّاً لَكانَ في جِهَةٍ فَيَكونُ جِسْماً ، وهُوَ باطلٌ لِما تَقَدَّمَ .
بيانُ الأوّلُ : أنَّ كُلَّ مَرْئِيٍّ فَهُوَ إمّا مُقابلٌ أوْ في حُكْمِ المقابِلِ ، كَالصُورَةِ في المِرآةِ ، وذلكَ ضَرُوريٌّ ، وكُلُّ مقابِلٍ أوْ في حُكْمِهِ فَهُوَ في جِهَةٍ . فَلَوْ كانَ الباري تعالى مَرْئِيّاً لَكانَ في جِهَةٍ .
وأمّا سَمْعاً فَلِوُجوهٍ :
الأوّل : أنَّ مُوسى عليه السلام لَمّا سَألَ الرُؤْيَةَ اجيبَ ب« لَنْ تَرانِي »« 2 » و « لَنْ » لِنَفْي التأبيدِ نَقْلًا عَنْ أهْلِ اللُغَةِ ، وإذا لَمْ يَرَهُ مُوسى لَمْ يَرَهُ غَيرُهُ بِطَريقٍ أولى « 3 » .
الثاني : قولُهُ :« لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ »« 4 » . تَمَدَّحَ بِنَفْي إدْراكِ الأبْصارِ لَهُ ، فيَكونُ إثْباتُهُ لَهُ نَقْصاً .
الثالث : أنَّهُ تعالى اسْتَعْظَمَ طَلَبَ رُؤْيَتِهِ ، ورَتَّبَ الذَمَّ عليه والوَعيدَ ، فَقالَ :« فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ »« 5 »« وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى رَبَّنا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيراً »« 6 ».قال : « الخامِسةُ : فِي نَفْيِ الشَريكِ عَنْهُ . . . إلخ » .
هامش
( 1 ) هذا السَمْعُ لايَكونُ مَحْدُوداً في الدَلائِلِ النَقْلِيَّةِ الإسْلامِيَّةِ ، بَلْ هُوَ يَسَعُ جَميعَ الأدِلَّةِ النَقْلِيَّةِفي جَميعِ المِلِّيّينَ . والحاصِل : أنَّ هذا الدَليلَ ( أيْ السَمع ) مَعَ هذا الشُمُولِ الواسِعِ يُسَمَّى ضَرورَةً بَيْنَ المِلَلِيَّةِ ، وهُو دَليلٌ قَوِيٌّ جِدّاً في إثْباتِ المُدَّعَى .
( 2 ) الأعراف : 143 .
( 3 ) لِتَساوِي بَيْنَ مُوسى وغَيْرِهِ في البَشَرِيَّةِ ، والحالُ أَنَّهُ تعالى خاطَبَهُ ب« لَنْ تَرانِي »مَعَ أقْرَبِيَّتِهِ عليه السلام مِنْهُ سُبْحانَهُ وعِظَمِ شَأنِهِ ونُبُوَّتِهِ .
( 4 ) الأنعام : 103 .
( 5 ) النساء : 153 .
( 6 ) الفرقان : 21 .