الثالِثةُ : أنَّهُ تعالى لَيْسَ مَحَلّاً لِلحوادِثِ ، لامْتِناعِ انْفِعالِهِ عَنْ غَيْرِهِ وَامْتِناعِ النَقْصِ عَلَيْهِ .
شرح
وأمّا الثاني فَقَد قال بَعضُ النَصارَى : إنَّهُ اتَّحَدَ بِالمَسيحِ ، فَإنَّهُمْ قالوا : اتَّحَدَتْ لاهوتِيَّةُ الباري مَعَ ناسوتِيَّةِ عيسى عليه السلام .
وقالتِ النُصَيريَّةُ « 1 » : إنَّهُ اتَّحَدَ بِعَليٍّ عليه السلام .
وقال المُتَصَوِّفَةُ : إنَّهُ اتَّحَدَ بِالعارِفينَ .
فَإنْ عَنَوْا غَيرَ ما ذَكَرْناهُ فَلابُدَّ مِنْ تَصَوُّرِهِ أوّلًا ، ثُمَّ يُحْكَمُ عليه . وإنْ عَنَوْا ما ذَكَرْناهُ فهو باطِلٌ قَطْعاً ، لأنَّ الاتِّحادَ مُسْتَحيلٌ في نَفْسِهِ فَيَسْتَحيلُ إثْباتُهُ لِغَيرِهِ .
أمّا اسْتِحالَتُهُ فهو أنَّ المُتَّحِدَيْنِ بَعْدَ اتِّحادِهِما إنْ بَقِيا مَوجودَيْنِ فَلا اتّحادَ لأَنّهُما اثْنانِ لاواحِدٌ ، وإنْ عُدِما مَعاً فَلااتّحادَ أيضاً بَلْ وُجِدَ ثالِثٌ « 2 » ، وإنْ عُدِمَ أحَدُهُما وبَقِيَ الآخَرُ فَلااتِّحادَ أيضاً لأنَّ المَعْدومَ لايَتَّحِدُ بِالمَوجودِ .
قال « الثالِثَةُ : أنَّهُ تعالى لَيْسَ مَحَلّاً لِلحوادِثِ . . . إلخ » .
أقول : اعْلَمْ أنَّ صِفاتَهُ تعالى لَها اعْتِبارانِ :
أحَدُهُما بِالنظَرِ إلىنَفْسِ القُدْرَةِ الذاتِيَّةِ والعِلْمِ الذاتِيِّ إلى غَيرِذلك مِنَالصِفاتِ « 3 » .
وثانِيهِما بِالنَظَرِ إلى تَعَلُّقِ تلك الصِفاتِ بِمُقْتَضَياتِها ، كَتَعَلُّقِ القُدْرَةِ بِالمَقْدورِ ،
هامش
( 1 ) النُصَيْريَّةُ أوِ العَلَويُّونَ طائِفَةٌ تَقْطُنُ جَبَلَ العَلَويينَ وشِمالَي سُوريَةَ ، دُعُوا كَذلك نِسْبَةً إلى مُحَمَّد بْنِ نُصَير الّذي توفّي سنة 873 ه . ( أعلام المنجد ) - والمُحْتَمَلُ بَلِ المَقْطُوعُ أَنَّهُمْ هُمُ الغالُونَ في حَقِّ عَلِيٍّ عليه السلام .
( 2 ) صارَ الأمْرُ بِالكَوْنِ والفَسادِ ، فَالفاسِدانِ عِبارَتانِ عَنِ المُتَّحِدِ ( أعْنِي ذاتَ البارِي ) والمُتَّحِدِبِهِ ( أعْنِي عَليّاً عليه السلام ) أوْ غَيرَهُ ، والكائِنُ هُو الثالِثُ .
( 3 ) فَبِهذا الاعْتِبارِ لامُغايَرَةَ بَيْنَ ذاتِهِ تعالى ولاتَغايُرَ بَيْنَ كُلِّ صِفَةٍ ذاتيَّةٍ مَعَ ذاتيَّةٍ اخْرَى .