الرابعةُ : أَنَّهُ تعالى يَسْتَحيلُ عَلَيْهِ الرُؤيَةُ البَصَريَّةُ ، لأنَّ كُلَّ مَرْئيٍّ فهوَ ذُو جِهَةٍ ، لأنَّهُ إمّا مُقابِلٌ أَوْ في حُكْمِ المُقابِلِ بالضَرورةِ فيَكونُ جِسْماً ، وهومُحالٌ ، ولِقَولِهِ تعالى :
« لَنْ تَرانِي »
« 1 » و « لَنْ » نافِيَةٌ لِلتأْبيدِ .
شرح
الثاني : أنَّ صِفاتَهُ تعالى صِفاتُ كمالٍ لاسْتِحالَةِ النَقْصِ عليه ، فَلَوْ كانَتْ حادِثَةً مُتَجَدِّدَةً لَزِمَ خُلُوُّهُ مِنَ الكمالِ « 2 » ، والخُلُّوُ مِنَ الكَمالِ نَقْصٌ ، تعالى اللَّه عَنهُ « 3 » .
قال : « الرابعةُ : أَنَّهُ تعالى يَسْتَحيلُ عَلَيْهِ الرُؤيَةُ البَصَريَّةُ . . . إلخ » .
أقول : ذَهَبَ الحُكَماءُ والمُعْتَزلةُ إلى اسْتِحالَةِ رُؤْيَتِهِ بِالبَصَرِ لِتَجَرُّدِهِ ، وذَهَبَ المُجَسِّمَةُ والكَرّامِيَّةُ إلى جوازِ رُؤْيَتِهِ بِالبَصَرِ مَعَ المُواجَهَةِ .
وأمّا الأشاعِرَةُ فَاعْتَقَدوا تَجَرُّدَهُ ، وقالوا بِصِحَّةِ رُؤْيَتِهِ ، وخالَفوا جَميعَ العُقَلاءِ .
وتَحَذْلَقَ بَعضُهُمْ وقال : لَيْسَ مُرادُنا بِالرُؤْيَةِ الانْطِباعُ أوْ خُروجُ الشُعاعِ ، بَلِ الحالَةُ الَّتي تَحْصُلُ مِنْ رُؤْيَةِ الشَيْءِ بَعْدَ حُصولِ العِلْمِ بِهِ .
وقالَ بَعْضُهُم « مَعْنَى الرُّؤْيَةِ هُوَ أنْ يَنْكَشِفَ لِعِبادِهِ المُؤمِنينَ في الآخِرَةِ انْكِشافَ البَدْرِ المَرْئِيِّ .
والحَقُّ أنَّهُم إنْ عَنَوْا بِذلكَ الكَشْفَ التامَّ فَهُوَ مُسَلَّمٌ ، فَإنَّ المَعارِفَ تَصِيْرُ يَوْمَ القيامَةِ ضَرُورِيَّةً « 4 » وَإلّا فَلايُتَصَوَّرُ مِنْهُ إلّاالرُؤْيَةُ ، وهُوَ باطلٌ عَقْلًا وسَمْعاً « 5 » .
هامش
( 1 ) الأعراف : 143 .
( 2 ) قَبْلَ حُدُوثِ الصِفَةِ .
( 3 ) وهُناكَ وجهٌ ثالِثٌ وهو : أنَّ ذاتَهُ تعالى وصِفاتَهُ الذَاتِيَّةَ غَيرُ مَحْدُودَةٍ ، والتجَدُّدُ والتغَيُّرُ فيأيِّ صِفَةٍ مِنْ صِفاتِهِ الذَاتِيَّةِ يُوجِبُ مَحْدُودِيَّةَ الذَاتِ .
( 4 ) بَلْتَبْدُو هَذِهِ الصَيرُورَةُ مِنْحِينِ المَوْتِ ، ومَعْنى صَيرُورَةِ المَعارِفِ ضَرُورِيَّةً خُرُوجُهَا مِنَالعِلْمِيَّةِ إلى العَينِيَّةِ ( كَما لأهْلِ الكَشْفِ في الدُنْيا ) بِضَعْفِ الطَبِيعَةِ والواهِمَةِ والقُوَّةِ العاقِلَةِ وتَزَكِّيهَا .
( 5 ) ولأَنَّهُ تعالى وُجُودٌ حَقيقِيٌّ غَيرُ مَفْهَومِيٍّ وغَيرُ عارِضٍ لِلماهِيَّةِ ، وذَلك بَيِّنٌ أنَّ الوُجُودَ مالَمْيَعْرُضْ لِلماهِيَّةِ لايُدْرَكُ بِشَيْءٍ مِنَ الحَواسِّ الظاهِرَةِ .