شرح
والثانِيةُ صِفاتَ الجَلالِ ، وإنْ شِئْتَ كانَ مَجْموعُ صِفاتِهِ صِفاتِ جَلالٍ « 1 » ، فَإنَّ إثْباتَ قُدْرَتِهِ بِاعْتِبارِ سَلْبِ العَجْزِ عَنهُ ، وإثْباتَ العِلْمِ بِاعْتِبارِ سَلْبِ الجَهْلِ عَنْهُ ، وكذا باقي الصفاتِ . وفي الحَقيقَةِ المَعْقولُ لَنا مِنْ صِفاتِهِ لَيْسَ إلَّاالسلُوبُ والإضافاتُ . وأمّا كُنْهُ ذاتِهِ وصِفاتِهِ فَمَحْجوبٌ عَنْ نَظَرِ العُقُولِ ، « 2 » ولايَعْلَمُ ما هو إلَّاهو . وقَدْ ذَكَرَ المُصَنِّفُ هُنا سَبْعاً :
الأولى : أنَّهُ لَيْسَ بِمُرَكَّبٍ . والمُرَكَّبُ هُوَ ما لَهُ جُزْءٌ ، ونَقيضُهُ البَسيطُ وهُوَ ما لاجُزْءَ لَهُ . ثُمَّ الترْكيبُ قَدْ يَكونُ خارِجيّاً كَتَرْكيبِ الأجْسامِ مِنَ الجَواهِرِ الأفْرادِ ، وقَد يَكونُ ذِهْنيّاً كَتَرْكيبِ الماهيّاتِ والحُدودِ مِنَ الأجْناسِ والفُصولِ « 3 » . والمُرَكَّبُ بِكِلا المَعْنَيَيْنِ مُفْتَقِرٌ إلى جُزْئِهِ ، لامْتِناعِ تَحَقُّقِهِ وتَشَخُّصِهِ خارِجاً وذِهْناً بِدونِ جُزْئِهِ ، وجُزْؤهُ غَيرُهُ ، لأنَّهُ يُسْلَبُ عَنهُ ، فَيُقالُ : الجُزْءُ لَيْسَ بِكُلٍّ ، وما يُسْلَبُ عَنْهُ
هامش
( 1 ) الأولىأنْنُعَبِّرَ بَدَلَالجَلالِ هُنابِالجَمالِ ، لأنَّالجَمالَلايَرْجِعُ إلى العَدَمِ والعَدَمِيِّ ، فَهُوَوُجُودِيٌّ ، وأمْرُ الوُجُودِيِّ مِنْ حَيْثُ هُوَ وُجُودِيٌّ أشْرَفٌ ، وَلَكِنَّ الجَلالَ مِنْ حَيْثُ رُجُوعِهِ إلى السَلْبِ ( وهُوَ نَحْوٌ مِنَ العَدَمِ ) مُتَأخِّرٌ عَنِ الجَمالِ . فَمُلَخَّصُ القَوْلِ يَكُونُ مَجْمُوعُ صِفاتِهِ صِفاتِ جَمالٍ ، لأنَّ تَنْزيهَهُ مِنَ الجَهْلِ بِاعْتِبارِ وُجُودِ العِلْمِ ومِنَ العَجْزِ بِاعْتِبارِ ثُبوتِ القُدْرَةِ فيهِ سُبحانَهُ .
( 2 ) وَالدَليلُ على هذه المَحْجُوبِيَّةِ نَزاهَةُ ذاتِهِ تعالى وصِفاتِهِ القُدْسِيَّةِ النَزيهَةِ عَنْ وَسَماتِالإمْكانِ نَحْوُ الكَمِّ والكَيْفِ وغَيْرِهِما وإنْ سَألْتَ فَماذا لأصْحابِ السلُوكِ والعِرْفانِ مِنَ الانْكِشافِ في المَقامِ ؟ نُجيبُ : أنّ الحاصِل لَهُمْ تَأكُّدُ إيمانِهِمْ بِوُجُودِهِ تعالى وبِوُجُودِ صِفاتِهِ سُبحانَهُ بِتَبَدُّلِ سَبَبِ إيمانِهِمْ ( أيْ العَقلُ ) بِالفِطْرَةِ الصافِيَةِ وظاهِرٌ أنَّ الإيمانَ بِوُجُودِ الشَيْءِ غَيرُ إدْراكِ حَقِيقَتِهِ ، فَتَدَبَّرْ .
( 3 ) المُرادُ بِالجِنْسِ والفَصْلِ هُنَا الجِنْسُ والفَصْلُ المَنْطِقيّانِ ، فَالأوّلُ مِنْهُما ما يُقالُ في جَوابِالسؤالِ عَنِ الحَقائِقِ المُخْتَلِفَةِ كَالحَيوانِ المَقُولِ في جَوابِ السؤالِ عَنْ حَقيقَةِ الإنْسانِ والفَرَسِ مَثَلًا . والثاني ( أيْ الفَصْلُ ) هو الذَاتيُّ الَّذي يَتَمَيَّزُ بِهِ كُلُّ حَقيقَةٍ عَنْ مُشْتَرَكِهَا في الجِنْسِيَّةِ كَالناطِقِ .