شرح
الرابِعُ : في قِدَمِهِ أوْ في حُدوثِهِ . فقالتِ الأشاعِرَةُ بِقِدَمِ المَعنى ، والحَنابلةُ بِقِدَمِ الحُروفِ ، وقالَتِ المعتزلةُ بِالحُدوثِ ، وهو الحَقُّ لِوجوهٍ :
الأوّلُ : أنَّهُ لَوْكانَ قَديماً لَزِمَ تَعَدُّدُ القُدماءِ ، وهو باطلٌ ، لأنَّ القولَ بِقِدَمِ غَيرِ اللَّهِ كُفرٌ بِالإجْماعِ . ولِهذا كَفَرَتِ النصارى « 1 » لِاثْباتِهِمْ قِدَمَ الاقْنُومِ .
الثاني : أَنَّهُ مُرَكَّبٌ مِنَ الأصواتِ والحروفِ الَّتي يَعْدُمُ السابِقُ مِنها بِوجودِ لاحِقِهِ ، والقَديمُ لايَجوزُ عليه العَدَمُ .
الثالِثُ : أَنَّهُ لَو كانَ قَديماً لَزِمَ الكِذبُ عَليهِ ، واللازِمُ باطِلٌ ، فَالمَلْزومُ مِثْلُهُ . بَيانُ المُلازَمَةِ : أَنَّهُ أخْبَرَ بِإرْسالِ نُوحٍ في الأزَلِ بِقولِهِ « 2 » ، ولَمْ يُرْسِلْهُ إذْ لاسابِقَ عَلى الأزَلِ ، فَيَكونُ كَذِباً .
الرابِعُ : أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنهُ العَبَثُ في قَوْلِهِ :« أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ »« 3 » إذْ لامُكَلَّفَ في الأزَلِ ، والعَبَثُ قَبيحٌ ، فَيَمْتَنِعُ عَليهِ تعالى « 4 » .
الخامِسُ : قَولُهُ تعالى« ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ »« 5 » والذِّكْرُ هُوَ القُرآنُ ، لِقولِهِ تعالى« إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ »« 6 »« وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ »« 7 » وَصَفَهُ بِالحُدوثِ فلايَكونُ قَديماً . فَقولُ المُصَنِّفِ رحمه الله « وتَفسيرُ
هامش
( 1 ) لا اخْتِلافَ في كُفْرِهِمْ على اصولِ المُتَكَلِّمينَ مِنَ الإسْلامِ ، وَلَكِنَّ الفُقَهاءَ اخْتَلَفوا في المَقامِ .
( 2 )« إِنَّا أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ » .نوح : 1 .
( 3 ) البقرة : 43 .
( 4 ) بَينَ مُفادِ هذا الدَليلِ ومُفادِ الأدِلَّةِ السّابِقَةِ مُعاكَسَةٌ ، لأنَّ مُفادَها إبْطالُ قِدَمِ الكَلامِ صَريحاً وإثْباتُ حُدوثِهِ ضِمْناً ، وَلَكِنْ هذا الدَليلُ يُثْبِتُ حُدوثَ الكَلامِ صَريحاً ويُبْطِلُ قِدَمَهُ ضِمْناً .
( 5 ) الأنبياء : 2 .
( 6 ) الحجر : 9 .
( 7 ) الزُخرُف : 44 .