وَلايَصِحُّ عَلَيهِ اللذَّةُ « 1 » والألَمُ ، لامْتِناعِ المِزاجِ عَلَيهِ تعالى .
شرح
وزَعَمَتِ الكرّامِيَّةُ أنَّهُ تعالى في الجِهَةِ الفَوقِيَّةِ لِما تَصَوَّروهُ مِنَ الظَواهِرِ النَقْلِيَّةِ ، وهو باطِلٌ ، لأنّهُ لَوْ كانَ في الجِهَةِ لَكانَ إمّا مَعَ اسْتِغْنائِهِ عَنها ، فَلايَحُلُّ أوْ مَعَ افْتِقارِهِ إلَيها ، فيَكونُ مُمْكِناً « 2 » . والظواهِرُ النَقْلِيَّةُ لَها تَأويلاتٌ ومَحامِلُ مَذْكورَةٌ في مَواضِعِها . لأنَّهُ لَمّا دَلَّتِ الدَلائِلُ العَقْلِيَّةُ على امْتِناعِ الجِسْمِيَّةِ ولَواحِقِهَا عليه وَجَبَ تَأويلُ غَيرِها لاسْتِحالَةِ العَمَلِ بِهِما ، وإلَّا لاجْتَمَعَ النَقيضانِ أوْ الترْكُ لَهُما ، وإلّا لارْتَفَعَ النَقيضانِ ، أوْ العَمَلُ بِالنَقْلِ وإطْراحُ العَقْلِ ، وإلَّا لَزِمَ إطْراحُ النَقْلِ أيضاً ، لإطْراحِ أصْلِهِ ، فَيَبْقى الأمْرُ الرابِعُ ، وهو العَمَلُ بالعَقْلِ وتَأوِيلُ النَقلِ « 3 » .
قال : وَلايَصِحُّ عَلَيهِ اللذَّةُ والألَمُ . . . إلخ » .
أقول : الألَمُ واللذَّةُأمْرانِ وُجْدانيّانِ « 4 » ، فَلايَفْتَقِرانِ إلىتَعْريفٍ ، وقَديُقالُفيهِما :
اللذَّةُ إدْراكُ المُلائِمِ مِنْ حَيْثُ هُو مُلائِمٌ ، والأ لَمُ إدْراكُ المُنافي مِنْ حَيثُ هو مُنافٍ .
وهُما قَد يَكونانِ حِسِّيَّيْنِ ، وقَد يَكونانِ عَقْلِيَّيْنِ ، فإنَّ الإدْراكَ إنْ كانَ حِسّيّاً
هامش
( 1 ) الفَرْعُ الثالِثُ : عَدَمُ صِحَةِ اللَذَّةِ والألَمِ عَلَيْهِ تعالى .
( 2 ) وبِذلكَ يَظْهَرُ أنَّ رَفْعَ الأيْدِي إلى السَماءِ في الدُعاءِ لَيْسَ على مَعْناهُ المُتَعارَفِ كَمَنْ يَمُدُّ يَدَهُإلى مَنْ هو فَوْقَهُ مَكاناً لِيَاْخُذَ مِنْهُ شيئاً . بَلِ المُرادُ مِنْهُ لِغَرَضٍ تَعَبُّدِيٍّ مَجْهُولٍ ، أوْ لأنْ يَتَوَهَّمَ الداعِي ابْتِداءً مَعْناهُ المُتَعارَفَ ويَعْبُرَ ثانِياً إلى مَعْناهُ العَقْلِيِّ وهو فَوْقِيَّةُ نَشْأةِ الغَيْبِ الرُبُوبِيِّ مِنْ نَشْأةِ عالَمِ المَشْهُودِ . وهَكذَا الأمْرُ في الاسْتِقْبالِ إلى القِبْلَةِ لَهُ ( أي لِلاسْتِقْبالِ ) حِكَمٌ ومَصالِحُ ، ولَيْسَ المُرادُ مِنْهُ القَوْلُ بِكَوْنِهِ في جِهَةِ القِبْلَةِ .
( 3 ) مِنْ هُنا يَظْهَرُ أنَّ الدَلائِلَ العَقلِيَّةِ في العَقائِدِ مُتَقَدِّمَةٌ عَلَى البَراهِينِ النَقْلِيَّةِ ، وفي الفُروعِ العَمَلِيَّةِ عَكْسُ ذَلكَ . مُضافاً بِأنَّ نَفْعَ الدَلائِلِ العَقْلِيَّةِ في العَقائِدِ عامٌّ بِالنِسْبَةِ إلى المُؤْمِنِ والكافِرِ ولاتَنْفَعُ النَقْلِيّاتُ في العَقائِدِ إلَّالِلْمُؤْمِنِ ، والكافِرُ لايَنْتَفِعُ بِها .
( 4 ) ولَيْسا بِبُرْهانِيَّيْنِ ، بَلْ في المَعْرِفَةِ بِهِما غَناءٌ عَنِ التعريفِ .