الثامِنةُ : أَنَّهُ تعالى صادِقٌ « 1 » ، لأنَّ الكَذِبَ قَبيحٌ بالضَرورةِ « 2 » ، واللَّهُ تعالى مُنَزَّهٌ عَنِ القَبيحِ لاسْتَحالَةِ النَقْصِ عَليهِ « 3 » .
شرح
الأشاعرةِ غَيرُ مَعْقولٍ » إشارَةٌ إلى ما ذَكَرْناهُ في هذِهِ المَقاماتِ .
قال : « الثامِنةُ : أَنَّهُ تعالى صادِقٌ . . . إلخ » .
أقول : مِنْ صِفاتِهِ الثُبوتِيَّةِ أنَّ كَوْنَهُ صادِقاً ، والصِدْقُ هو الإخْبارُ المُطابِقُ ، والكَذِبُ هوَ الإخْبارُ الغَيرُ المُطابِقِ ، لأنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ صادِقاً لَكانَ كاذِباً ، وهو باطِلٌ ، لأنَّ الكَذِبَ قَبيحٌ ضَرُورَةً ، فَيَلْزَمُ اتِّصافُ الباري تعالى بِالقَبيحِ ، وهو باطِلٌ لِما يأتي . وأيضاً الكَذِبُ نَقْصٌ ، والباري تعالى مُنَزَّهٌ عَنِ النَقْصِ .
هامش
( 1 ) المُتَكَلِّمونَ ظَنّوا أنَّ الصِدْقَ صِفَةُ الكلامِ والقَولِ خاصَّةً ، ولِهذا ذَكَروهُ عَقيبَ مَبْحَثِ الكَلامِ ، مَعَ أنَّ الصِدْقَ يَقَعُ صِفَةً لِلْعَقيدَةِ والعَمَلِ والقَولِ . فَذِكْرُهُمُ الصِدْقَ في عِدادِ الثُبوتِيّاتِ لِهذا التَوضيحِ ذِكْرٌ في مَحَلِّهِ ، وعَدِّهِمُ الكلامَ مِنَ الثُبوتِيّاتِ لِتَفْسيرِهِمْ حَقيقَةَ كَلامِهِ سُبحانه بِإيجادِ الحُروفِ والأصواتِ في غَيرِ مَحَلِّهِ ، فَتَدَبَّرْ .
( 2 ) ضَرورَةُ قُبْحِ الكَذِبِ ضَرورَةٌ عَقْلِيَّةٌ وهِيَ أقْوَى الضَروراتِ ، لاضَرورَةٌ دينِيَّةٌ كَالتَوحِيدِ ، أوِ مَذْهَبِيَّةٌ كَإمامَةِ أميرِالمُؤمِنينَ عليه السلام .
( 3 ) المُرادُ بِالنَقْصِ هُنا مَنْشَأٌ مِنْ مَناشِئِ الكَذِبِ ، وهِيَ :
الف ) العَجْزُ عَنْ تَرْكِ الكَذِبِ .
ب ) الجَهْلُ بِمَفاسِدِ الكَذِبِ .
ج ) الحاجَةُ إليه .
د ) العَبَثُ بِهِ ، فَإذا اسْتَحالَتْ هذه البَواعِثُ عليه تعالى يَسْتَحيلُ عليه الكَذِبُ الَّذي يُبْعَثُ مِنها . فَيَتَحَصَّلُ مِنْ هذا الدَليلِ : أنَّ لِلْكَذِبِ قُبْحَيْنِ : قُبْحٌ فِعْلِيٌّ وقُبْحٌ فاعلِيٌّ . فَالفِعْلِيُّ مِنْهُما في نَفْسِ الكَذِبِ ، والفاعِلِيُّ البَواعِثُ لَهُ في فاعِلِهِ .
ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ النَقْصِ نَقْصُ الكَذِبِ نَفْسِهِ ، لأنَّهُ نَقيضُ الكَمالِ الَّذِي هُو أمْرٌ وُجُودِيٌّ ، والنَقْصُ عَدَمِيٌّ فَيَكُونُ الكَذِبُ نَقْصاً لأنَّهُ عَدَمُ الصِدْقِ ، كَما سَيُصَرِّحُ بِهِ الشارِحُ رحمه الله .