شرح
واخْتَلَفوا بَعْدَ ذلك في مَقاماتٍ أرْبَعة : « 1 »
الأوّلُ : في الطَريقِ إلى ثُبوتِ هذِهِ الصِفَةِ « 2 » . فقالَتِ الأشاعِرَةُ : هو العَقْلُ .
وقالتِ المعتزِلَةُ : هو السَمْعُ . وهو قَولُهُ« وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً »« 3 » وهو الحَقُّ لِعَدَمِ الدَليلِ العَقْلِيِّ . وما ذَكَرُوهُ دَليلًا فَلَيْسَ بِتامٍّ « 4 » . وقَدْ أجْمَعَ الأنْبياءُ على ذلك « 5 » ، وثُبُوتُ نُبُوَّتِهِمْ غَيرُ مَوْقوفٍ عَليهِ لإمْكانِ الاسْتِدْلالِ على النُبُوَّةِ بِغَيرِ القُرآنِ مِنَ المُعْجِزاتِ ، فَيَجِبُ إثْباتُهُ .
الثاني : في ماهِيَّةِ كَلامِهِ ، فَزَعَمَ الأشاعرةُ أَنَّهُ مَعْنىً قَديمٌ قائِمٌ بِذاتِهِ ، يُعَبَّرُ عَنهُ بِالعِباراتِ المُخْتَلِفَةِ المُتَغَيِّرَةِ ، مُغايِرٌ لِلعِلْمِ والقُدْرَةِ ، ولَيْسَ بِحَرْفٍ ولاصَوْتٍ ولا أمْرٍ ولانَهْيٍ ولاخَبَرٍ ولا اسْتِخْبارٍ وغَيرُ ذلك مِنْ أساليبِ الكَلامِ . وقالتِ المعتزلَةُ والكرَّامِيَّةُ والحَنابِلَةُ « 6 » هو الحُروفُ والأصْواتُ المُرَكَّبَةُ تَرْكيباً مُفْهِماً .
والحَقُّ الأخيرُ لِوَجْهَيْنِ :
الأوّل : أنَّ المُتَبادِرَ لأفْهامِ العُقَلاءِ هو ما ذَكَرْناهُ ولِذلك لايَصِفونَ بِالكلامِ مَنْ لَمْيَتَّصِفْ بِذلكَ كَالساكِتِ والأخْرَسِ .
هامش
( 1 ) يُضافُ إلى هذهِ الأرْبَعَةِ المَقامُ الخامِسُ ، وهو إثْباتُ تلك الصِفَةِ مِنَ الفِعْلِيّاتِ كَمَا قَدَّمْنا .
( 2 ) الأفضَلُ أن يُقالَ « الطَريقُ إلى إثبَاتِ » بَدَلَ « الثُبوتِ » لأنَّها ثابِتَةٌ مِصداقاً ، ونَحن نَحْتاجُ إلىمَعْرِفَةِ طَريقِ إثْباتِها مَفْهوماً .
( 3 ) النساء : 164 .
( 3 )
( 4 ) إنّا وإنْ لَمْ نَظْفُرْ بدَليلِ الأشاعِرَةِ في المَقامِ ، لَكِنْ إنْ قُلنا بِأنَّ هذهِ الصِفَةَ كَمالٌ ذاتيٌّ يَلْزَمُ مِنْذلكَ اتِّصافُ الذاتِ بِها بِدليلِ الوُجوبِ الذاتِيِّ الَّذي مُقْتَضاهُ اتِّصافُهُ بِكُلِّ كَمالٍ ، وإنْ لَمْنَقُلْ بِأَنَّها لَيْسَتْ كَمالًا لِذاتِهِ سُبحانه - كما هو الحقُّ بَلْ نَقولُ بِفِعْليَّتِها - فَلا نِزاعَ في البَينِ .
( 5 ) فَيَصيرُ الإجْماعُ على ثُبوتِ المُدَّعَى إجْماعُ المِلّيّينَ ، وهو أقْوَى مِنْ إجْماعِ المسلمينَ .
( 6 ) الحَنابِلَةُ فِرْقَةٌ كَلامِيَّةٌ مِنْالفِرَقِ الإسْلامِيَّةِ ؛ ولَهُمْ مُعْتَقَداتٌ ويُنْسَبُونَ إلى إمامِهِمْأحمدِ بنِحنبل .