الخامِسةُ : أنَّهُ تعالى مُدْرِكٌ ، لأنَّهُ حَيٌّ « 1 » ، فَيَصِحُّ أَنْ يُدْرِكَ . وقَدْ وَرَدَ القُرآنُ بِثُبُوتِهِ لَهُ ، فَيَجِبُ إثباتُهُ لَهُ .
السادسةُ : أَنَّهُ تعالى قديمٌ أزَلِيٌّ باقٍ أبَدِيٌّ ، لأنَّهُ واجبُ الوجودِ ، فَيَسْتَحيلُ العَدَمُ السابِقُ واللاحِقُ عَليهِ .
شرح
الثاني : اسْتِحالَةُ وُجودِ صِفَةٍ لا في مَحَلٍّ .
قال : « الخامِسةُ : أنَّهُ تعالى مُدْرِكٌ . . . إلخ » .
أقول : قَدْ دَلَّتِ الدَلائِلُ النَقْليَّةُ على اتِّصافِهِ تعالى بِالإدْراكِ ، وهو زائِدٌ عَلى العِلْمِ فَإنّا نَجِدُ تَفْرِقَةً ضَرورَةً بَينَ عِلْمِنا بِالسَوادِ والبَياضِ ، والصَوتِ الهائِلِ والحَسَنِ وبَينَ إدْراكِنا لَها ، وتِلْكَ الزيادَةُ راجِعَةٌ إلى تَأثُّرِ الحاسَّةِ . لَكِنْ قَدْ دَلَّتِ الدَلائِلُ العَقْليَّةُ على اسْتِحالَةِ الحَواسّ والآلاتِ عليه تعالى ، فَيَسْتَحيلُ ذلك الزائِدُ عليه . فَإدْراكُهُ هو عِلْمُهُ تعالى حينَئِذٍ بِالمُدْرَكاتِ « 2 » .
والدَليلُ على صِحَّةِ اتِّصافِهِ به هو مادَلَّ على كَوْنِهِ عالِماً بِكُلِّ المَعْلوماتِ مِنْ كَوْنِهِ حَيّاً ، فَيَصِحُّ أنْ يُدْرِكَ . وقَدْ وَرَدَ القُرآنُ بِثُبوتِهِ « 3 » لَهُ ، فَيَجِبُ إثْباتُهُ لَهُ . فَإدْراكُهُ هو عِلْمُهُ بِالمُدْرَكاتِ ، وذلِكَ هُوَ المَطلُوبُ .
قال : « السادسةُ : أَنَّهُ تعالى قديمٌ أزَلِيٌّ باقٍ أبَدِيٌّ . . . إلخ » .
أقول : هذِهِ الصِّفاتُ الأرْبَعُ لازِمَةٌ لِوجُوبِ وُجودِهِ .
هامش
( 1 ) كَسائِرِ الأحْياءِ يَصِحُّ أنْ يَتَّصِفَ بِالإدْراكِ أيْ يُمْكِنُ لَهُ تِلك الصِفَةُ كَما يُمْكِنُ كُلُّ صِفَةٍ كَمالِيةٍلِكُلِّ حَيٍّ ، وَلَكِنَّهُ سُبحانهُ مُتَمايِزٌ بَينَ سائِرِ الأحْياءِ بِغِنائِهِ الذاتِيِّ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ ، فَهذا الإمْكانُ فيهِ سُبحانَهُ يَنْقَلِبُ إلى ثُبوتِ الكَمالِ كَما تَقَدَّمَ في إثْباتِ عِلْمِهِ تعالى بِكُلِّ مَعْلُومٍ .
( 2 ) والأحْسَنُ أنْ نَقولَ : إنَّ الإدْراكَ فيه تعالى عِبارَةٌ عَنْ شِدَّةِ عِلمِهِ بِالمُدْرَكاتِ لامُطْلَقُ عِلمِهِ .
( 3 ) وذَلِكَ في قوله تعالى« لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ »الأنعام : 103 .