فَلا بُدَّ مِن ذِكْرِ مَا لايُمْكِنُ جَهْلُهُ عَلَى أحَدٍ مِنَ المُسْلِمِينَ ، ومَنْ جَهِلَ شَيْئاً مِنْ ذَلِكَ خَرَجَ عَنْ رِبقَةِ المُؤْمِنِينَ واسْتَحَقَّ العِقَابَ الدَائِمَ .
شرح
الترْجِيحُ بِلامُرَجِّحٍ ، وهُوَ مُحَالٌ .
الثَانِي : أنَّهُ تعالى ذَمَّ التقْلِيدَ بِقَوْلِهِ :« قالُوا إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ »« 1 » وحَثَّ عَلى النَظَرِ والاسْتِدْلالِ بِقَوْلِهِ تعالى :« ائْتُونِي بِكِتابٍمِنْ قَبْلِ هذا أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ »« 2 ».قَالَ : « فَلا بُدَّ مِن ذِكْرِ مَا لا يُمْكِنُ جَهْلُهُ . . . إلخ » .
أقُولُ : لَمَّا وَجَبَتِ المَعارِفُ المَذْكُورَةُ بِالدَلِيلِ السَابِقِ اقْتَضى ذَلِكَ وُجُوبَها عَلىكُلِّ مُسْلِمٍ « 3 » - أيْ مُقِرٍّ بِالشَهَادَتَيْنِ - لِيَصِيرَ بِالمَعْرِفَةِ مُؤْمِناً لِقَوْلِهِ تعالى :« قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا »« 4 » . نفى عَنْهُمُ الإيمَانَ - مَعَ كَوْنِهِمْ مُقِرِّينَ بِالإلَهِيَّةِ والرِسالَةِ . لِعَدَمِ كَوْنِ ذَلِكَ « 5 » بِالنَظَرِ والاسْتِدْلالِ . وحَيْثُ إنَّ الثَوَابَ مَشْرُوطٌ بِالإيمَانِ كَانَ الجاهِلُ بِهَذِهِ المَعارِفِ مُسْتَحِقّاً لِلْعِقابِ الدَائِمِ ، لأنَّ كُلَّ مَنْ لايَسْتَحِقُّ الثَوَابَ أصْلًا مَعَ اتِّصافِهِ بِشَرَائِطِ التكْلِيفِ فَهُوَ مُسْتَحِقٌّ لِلْعِقَابِ بِالإجْمَاعِ .
والرِبْقَةُ - بِكَسْرِ الرَاءِ وسُكُونِ البَاءِ - حَبْلٌ مُسْتَطِيلٌ فِيهِ عُرىً تُرْبَطُ فِيهَا البُهْمُ ، واسْتَعارَهُالمُصَنِّفُ هُنَا لِلْحُكْمِ الجامِعِ لِلْمُؤْمِنِينَ ، وهُوَ اسْتِحْقاقُ الثَوَابِ الدَائِمِ والتعْظِيمِ . « 6 »
هامش
( 1 ) الزخرف : 22 .
( 2 ) الأحقاف : 4 .
( 3 ) المُرَادُ بِالإسْلامِ هُنَا هُوَ المَرْتَبَةُ الأولى مِنْهُ ، الَّتِي هِيَ دُونَ الإيمَانِ ، لا المَرْتَبَةُ الثَانِيةُ الَّتيهِيَ فَوْقَ الإيمَانِ والدَرَجَةُ العُلْيَا مِنَ العُبُودِيَّةِ .
( 4 ) الحُجُرات : 14 .
( 5 ) أيْ عَدَمِ كَوْنِ إظْهَارِهِمُ الإيمَانَ .
( 6 ) الظَاهِرُ أنَّ عَطْفَ التعْظِيمِ عَلى الثَوَابِ يَكُونُ كَعَطْفِ جُزْءِ الشَيءِ عَلى كُلِّهِ ، لأَنَّ مُقَارَنَةَ التعْظِيمِ ( كَمَا سَيَأتِي ) قَيدٌ لِلثَوَابِ ، فَلا يَنْبَغِي أنْ يُعْطَفَ عَلَيْهِ .