تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقاصد العلية في المطالب السنية — صفحة 394

مساهمون:

ص٣٩٤
الثاني : أن يلاحظَ المعرفة والجحود وكلّ واحدٍ منهما بانفراده ووحدته باعتبار الأشخاص بالنسبة إلى هذا العالم الموجود ، لكن يراد من خلق اللّه تعالى لهما خلق تقديرٍ لا خلق تكوينٍ ! فالمعنى أنّ المعرفة والجحود من أهلهما مقدّرةٌ في علم اللّه تعالى كما في سائر أفعال العباد فإنّها مخلوقةٌ للّه خلق تقديرٍ ، أي : مقدّرةٌ وليس لهم فيها باعتبار التقدير صنعٌ ، وللعباد فيهما اختيار الاكتساب . الثالث : أن يلاحَظَ المعرفة والجحود معاً بالنسبة إلى كلّ أحدٍ من جميع أفراد البشر ، ويراد مع ذلك من الخلق خلق تكوينٍ ، ويقصد من المعرفة والجحود معرفة هذه النشأة وجحودها الحاصلان للعباد باكتسابٍ منهم ، فحينئذٍ يراد من خلقهما خَلق موجِبهما ومادّتهما ، وهو العقل والنفس ! فإنّ القلب الملكوتي الإنساني في أصل فطرته الحاصلة من اللّه تعالى - كما عرفت فيما سبق تفصيلًا - كمرآةٍ منصوبةٍ بين قوّتينَ علميّتين ، إحديهما عن يمينه وأخرى عن شماله ، تسمّى في لسان الأخبار بالملك والشيطان ! وتعرفهما أنت بالقوّة العاقلة والوهميّة وجميع أفراد البشر في هاتين القوّتين على شرعٍ سواءٍ ! فبنور العقل يتوجّه إلى اللّه ويعرف ويوحّد ، وبتعليمه تحصل المعرفة ، وكلّ ما يضاف إليه يضاف إلى اللّه وينسَب إليه ! وبتعليم النفس والقوّة الوهميّة ينكر الإنسان رَبَّه ويجحد ويكون في غطاءٍ عن ذكره ، والأفعال المضاف إليه يضاف إلى الشيطان ، كما سمعت في رواية أبي جعفرٍ عليه السلام من قوله : « فما كان مِن حسناتٍ فللّه ، وما كان من سيّئاتٍ فللشيطان » . « 1 » فالمراد من خلق المعرفة والجحود حينئذٍ عبارةٌ عن خلق العقل والنفس . وقد عبّر بذلك من باب التعبير عن السبب بالمسبّب . ويمكن أن يراد من خلق المعرفة والجحود في كلّ أحدٍ بالخلق التكويني خَلْقهما لاخلق موجبهما بإرادة الثبت والكتابة من الخلق بالنسبة إلى لحاظ عالَمي التكليف لكلّ أحدٍ . الرابع : أن يلاحَظ المعرفة والجحود معاً كلاهما من كلّ أحدٍ ، ويراد من الخلق خلق تقديرٍ لا خلق تكوينٍ . فَيلاحَظان حينئذٍ بالنسبة إلى عالَمَي التكليف : الأوّلي الذرّي ،
هامش
( 1 ) . المحاسن : 251 ، وعنه في بحار الأنوار : 70 / 228 ح 3 .