قبل الخلق وقبل سفره إلى هذا العالَم السفلي ، وتعريف اللّه تعالى حالات عباده بهذا السِمَة والعلامة لمعرّفيه وخلفائه في أرضه لا يوجب شيئاً من الفساد ! وليس أمرٌ ينافي الاختيار ويسلبه عن المكلّفين ، ولا يترتّب عليه أثرٌ في أعمال البشريّة ، وليس فيما كتِبَ على القلوب صنعٌ ولا أثرٌ فيماهم صايرون إليه وعاملون به !
وقد عرفت سابقاً : أنّ ما ثبت على القلوب البشريّة وكتِبَ عليها من المعرفة والجحود والإيمان والكفر المحصّل المكتسب في عالم الميثاق سمةٌ وعلامةٌ كالبذور في أرض القلب بالنسبة إلى هذا العالم الموجود . فاللّه تعالى باعتبار ما امتحن وشاهَدَ من كلّ أحدٍ ما صار إليه من الإقرار والاستكبار في الميثاق وثَبَتَ من كلّ أحدٍ إيمانه وكفره ، وعَلِمَ منهم تطابق مختارهم الملكي مع ما اختاره في ملكوتهم ، واطّلع عليهم أنّ مؤمنَ عالمِ الأوّل مؤمنٌ في هذا العالم الملكي ، وشقيَّ ذلك شقىٌّ في هذا - كما أخبر بذلك نبيّه بقوله ما كانوا ليؤمنوا بما كذّبوا به من قبل - خلق الخلق بهذا الاعتبار في الخلق الثاني فريقان : فريقٌ للجنّة وفريقٌ للسعير . فالخلق باعتبار حالته السابقة الميثاقيّة قبل مجيئه لهذا العالم العنصري اتُّصِفَ بالسعادة والشقاوة ! فهو إمّا سعيدٌ وإمّا شقيٌّ ؛ فالسعيد بهذا الاعتبار خلِقَ سعيداً ، والشقىُّ خلِقَ شقيّاً .
وهذا معنى ما ورد في الحديث الشريف المرويّ في تفسير عليّ بن إبراهيم في رواية أبي الجارود :
« عن أبي جعفرٍ عليه السلام في قوله تعالى :
« كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ »
« 1 » ! قال : خلقهم حين خلقهم مؤمناً وكافراً وشقيّاً وسعيداً ، وكذلك يعودون يوم القيامة مهتَدياً وضالًا ، يقول ،
« إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ »
« 2 » وهم القَدَريَّة الذين يقولون : لا قَدَرَ ! ويزعمون أنّهم قادرون على الهدى والضلالة ! وذلك إليهم ، إن شاؤوا اهتدوا ، وإن شاؤوا ضلّوا ! وهم مجوس هذه الامّة ! وكذّب أعداء اللّه المشيّة والقدرةَ للّه !
كَما بَدَأكمْ تَعودونَ . مَن خلقه اللّه شقيّاً يوم خلقه كذلك يعود إليه شقيّاً ، ومن خلقه سعيداً يوم خلقه كذلك يعود إليه سعيداً . قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : الشَّقيُّ مَنْ شَقيَ في بَطْنِ
هامش
( 1 ) . الأعراف : 29 - 30 .
( 2 ) . الأعراف : 30 .