إذ إرادة المكلّف خلاف ما تقتضيه الطينة مانعةٌ عن تأثيرها وتحقّق آثارها ، بل عدم إرادة المكلّف لمقتضى الطينة وما يناسبها مانعٌ عن ترتّب آثارها ومقتضياتها . فمادام المكلّف مريداً خلافَ ما تقتضيه الطينة لا توجب أثراً في أفعاله ويتوقّف تأثيرها على إرادة المكلّف وتوافق ما يريده باختياره مع ما تقتضيه وتستدعيه .
فبالجملة : السبب الاقتضائي والمؤثّر على وجه الاقتضاء تابعٌ تأثيره وتحقّق أثره لإرادة المكلّف ، ويشترط تأثيره وإيجابه بذلك ؛ وهذا لا ينافي الاختيار ، ولا يوجب شيئاً من الجبر الفاسد .
[ سؤال ]
فإن قلت : عرفنا عدم فساد خصوصيّة الطينة والخلقة والجبلّة إذا كان سببيّتها وإيجابها في أفعال العباد على وجه الاقتضاء ، دون العليّة ، وسلّمنا عدم إفادة الأخبار العشرة المذكورة للعليّة ، وعدم إشعارها زائداً على اقتضائيّتها ، فما معنى حينئذٍ ما رويَ في الكافي بإسناده عن زرارة ، عن أبي جعفرٍ عليه السلام قال : « لو علم الناس كيف ابتدأ الخلق ما اختلف اثنان ، إنّ اللّه عزّوجلّ قبل أن يخلق الخلق قال : كنْ ماء عَذباً أخْلق مِنك جَنّتي وَأهل طاعَتي ! وَكنْ مِلحاً أجاجاً أخلق مِنك ناري وأهل مَعصيَتي ! ثمّ أمرهما فامتزجا ، فمن ذلك صار يَلد المؤمن الكافرَ والكافر المؤمنَ . . . ( إلى أن قال ) : فلا يستطيع هؤلاء أن يكونوا من هؤلاء ، وهؤلاء أن يكونوا من هؤلاء ! » « 1 » .
وفى الكتاب : بإسناده عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال : « إنّ اللّه عزّوجلّ لمّا أراد أن يخلق آدم عليه السلام أرسل الماء على الطين ثمّ قبض قبضةً فعركها ثمّ فرّقها فرقَتين بيده . . . ( إلى أن قال ) : فلن يستطيع هؤلاء أن يكونوا من هؤلاء ، ولا هؤلاء أن يكونوا من هؤلاء . . . » الحديث . « 2 »
وفي البصائر بإسناده عن فضيل بن الزبير عن أبي جعفرٍ عليه السلام قال : « يا فضيل ! أما
هامش
( 1 ) . الكافي : 2 / 6 ح 1 .
« ما اختلف اثنان » أي : في مسألة القضاء والقدر ، أو : لما تنازع اثنان في أمر الدين . بحار الأنوار : 5 / 253 .
( 2 ) . نفس المصدر الكافي : 2 / 7 ح 3 .