بجعلهم أصحابَ يمينٍ وآخر أصحاب شمالٍ قبل اختبارهم بالتكليف وقبل صدور ما يوجب التفضيل والتشريف لعلمه تعالى بما هم صائرون إليه .
وأمّا تفضيل بعضِهم على بعضٍ في الخلق الثاني وإعطاء المزيّة لجمعٍ دون جمعٍ لدى الخلقة بخلق أبدان الأنبياء من طينة عليّين وأبدان المؤمنين من دون ذلك ، وأبدان الكفّار والمعاندين من طينة سجّين إنما هو باستحقاق كلِّ فردٍ وأهليّته بما تحقّق منه في التكليف الأوّل من الانقياد والاستكبار ، فخلقوا مختلفين في الطينة على حسب ما صاروا إليه في يوم الميثاق باختيارهم واقتضاء ما اختاره كلُّ واحدٍ لدى اختباره في الذرّ ، ومع ذلك علمه تعالى بما هم صايرون إليه في هذه النشأة يوجب ذلك أيضاً ويقتضيه .
فما اختاره كلُّ واحدٍ من سلوك أحد النجدين واتّباع أحد الطريقين وصار إليه في التكليف الأوّل ، والّذي يختاره ويصير إليه في التكليف الثاني أوجب خلقه من محلٍّ مخصوصٍ من العلّيّين أو السجّين ، واقتضى إيجاده على نحوٍ خاصٍّ !
فخلق كلّ واحدٍ باستحقاقه العملي وقابليّته الذاتيّة الثابتة عليه بفعاله ممّا يليق به ويعود إليه وينتهيه أمره ، والخلقة على نحوٍ مخصوصٍ من العلّيّين والسفليّين لا أثرَ لها في أفعال العباد واختياراتهم .
فكما عرفت عدم تأثير كيفيّة الخلقة الأولى وخصوصيّتها في ما صار العباد إليه في عالم التكليف الأوّل كذلك الأمرفي الخلقة الثانية بالنسبة إلى ما يصير العباد إليه في هذه النشأة الحاضرة ، فإنّ خصوصيّة الخلقة في الخلق الثاني وكيفيّة الجبلّة لا تأثيرَ لها في أفعال العباد وما هم صايرون إليه في هذا العالم الموجود ، ولا يستلزم شيئاً من الفساد ، ولا ينافي الاختيار ، ولا يوجب شيئاً من الجبر في أفعالهم .
[ دفع توهّم ]
فإنْ قلت : إنّ بعض الأحاديث المأثورة عن آل البيت العصمة الواردة في المقام يشعر تأثير خصوصيّة الطينة في مقام العمل ، ويستفاد منه دخالة كيفيّة الخلقة من العلّيّين والسفليّين في أفعال العباد ويفهَم منها إيجابها في سعادة الرجل وشقاوته وهدايته وضلالته ، بل في جميع الأفعال الجزئيّة البشريّة من الحسنات والسيّئات . وممّا يستفاد منه
المقاصد العلية في المطالب السنية — صفحة 363
مساهمون: الشيخ عبد الحسين الأميني (العلامة الأميني)
ص٣٦٣