وفى الكتاب : مسنداً عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال : « ما من مؤمنٍ إلّا ولقلبه اذنان في جوفه ، اذنٌ ينفث فيها الوسواس الخنّاس ، واذنٌ ينفث فيها الملك ، فيؤيّد اللّه المؤمن بالملك ، فذلك قوله :
« وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ »
» « 1 » .
وعبّر إمام الموحّدين أمير المؤمنين عليه السلام عن هذا المعنى بقوله : « إنّ للقلوب خواطر سوء والعقول تزجر عنها » « 2 » .
وتوضيح الحديث :
إنّ الخواطر المحرّكة للميل والرغبة في القلب الإنساني إلى طرف الأفعال وجهة الأعمال تنقسم إلى حسنةٍ وسيّئةٍ ، أعني : ما يدعوا إلى الخير وما ينفع في الدار الآخرة ويرجع خيره إليه فيها ، وإلى ما يدعوا إلى الشرّ وما يضرّ في العاقبة . وهما خاطران مختلفان يسمّى المحمود منهما إلهاماً والمذموم منهما وسواساً . والخواطر بأسرها هي حادثةٌ ، والحوادث لابدّ لها من مبدءٍ وسببٍ ، فسبب خواطر الحسنة الداعي إلى الخيرات يسمّى في لسان الشرع بالمَلك ، وله يمين القلب . ومن لمّته يحصل ما يحصل منها ، واللطف الذي يتهيّأ به القلب لقبول إلهام الملك ودعوته يسمّى توفيقاً . وسبب الخواطر السيّئة الداعي إلى الشرّ يسمّى بالشيطان ! وله يسار القلب ، ومن لمّته يحصل ما يحصل منها ، والّذي يتهيّأ به لقبول وسوسة الشيطان يسمّى إغوائاً وخذلاناً !
فالتعبير ب - « الخواطر » في كلام أمير المؤمنين عليه السلام تعبيرٌ عن السبب بالمسبَّب .
فالقوّتان العلميّتان جوهران مسخَّران لقدرته تعالى في تقليب القلوب وتعريفها كالأصابع المسخَّرة لقدرة الإنسان في تقليب الأجسام وتغليبها .
وإلى هذا وقعت الإشارة في الحديث النبويّ على محدّثه وآله أفضل الصلاة ، قال صلّى اللّه عليه وآله : « قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرّحمن يقلّبه كيف يشاء » « 3 » .
هامش
( 1 ) . الكافي : 2 / 267 ، ورواه الطبرسيُّ في المجمع : 10 / 499 عن العياشي .
( 2 ) . عيون الحكم : 157 ، والخواطر جمع خاطر : ما يخطر بالقلب والنفس من أمر أو تدبير ، والعقول تزجر وتنهى عنها .
( 3 ) . روى الصدوق في علل الشرائع : 2 / 605 قائلا :
حدثنا أحمد بن محمد عن أبيه عن محمد بن أحمد عن موسى بن عمر عن ابن سنان عن أبي سعيد القماط عن حمران ، قال : سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول : إذا كان الرجل على يمينك على رأي ثم تحول إلى يسارك فلا تقل إلا خيرا ولا تبرأ منه حتى تسمع منه ما سمعت وهو على يمينك فان القلوب بين إصبعين من أصابع اللّه يقلبها كيف يشاء ساعة كذا وساعة كذا وان العبد ربما وفق للخير .
ثم قال رحمه اللّه : قوله « بين إصبعين من أصابع اللّه » يعني بين طريقين من طرق اللّه ، يعني بالطريقين طريق الخير وطريق الشر ، وان اللّه عز وجل لا يوصف بالأصابع ولا يشبه بخلقه تعالى عن ذلك علوا كبيرا .