البشر والمَلك في العوالم والنشآت ففيه أحد عشر وجهاً ممّا قيل ويمكن أن يقال :
الأوّل : إنّ المراد من أصحاب اليمين والشمال « أصحاب اليمن والشُّوم » لِكون السعداء ميامينَ على أنفسهم بطاعتهم ، والأشقياء مشائمَ عليها بمعصيتهم ! ومن هنا تسمّي العرب اليدَ اليسرى « الشومى » والجانبَ الأيسر « الأشأم » فاليمن كأنّه ما جاء عن اليمين ، والشوم ما جاء عن الشمال . وقيل : منه « اليَمَن » و « الشام » لأنّهما عن يمين الكعبة وشمالها .
ويقرب هذا الوجه بقرينة قوله تعالى :
« فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ »
.
الثاني : إنّ المراد جهة العلوّ والسفل على سبيل التمثيل ؛ لأنّ العلوّ أشرف من السفل ، كما أنّ اليمينَ أشرف من الشمال ؛ فأهل الشمال من دَبَّ إلى جهة السفل ، وأهل اليمين من دبّ إلى جهة العلوّ ، وإن شئت قلت في التعبير : أصحاب الملك والملكوت ، أو أصحاب الروح والجسم .
الثالث : إنّ المراد من أصحاب اليمين هم الذين يعطون كتبهم بأيمانهم ، ومن أصحاب الشمال الّذين يعطون كتبهم بِشمائلهم ؛ فمن أوتي كتابه بيمينه فهو مؤمنٌ والجنّة مأواه ، ومن أوتي كتابه بشماله فالنّار موعده ومثواه .
الرابع : إنّ المراد من أصحاب اليمين هم الذين يؤخَذ بهم ذات يمينٍ إلى الجنّة ؛ وأصحاب الشمال هم الذين يؤخذ بهم ذات شمالٍ إلى النّار .
هذا الوجه ذكره أكثر أصحاب التفسير ، وقال بعضهم في مقام تحقيقه [ ما هذا لفظه ] :
إنّ العالَم بتمامه كشخصٍ واحدٍ ، لأنّ وجوده ظلّ وجود الحقّ ، فله وحدةٌ طبعيّةٌ جمعيّةٌ هي ظلٌّ لموجده الحقّة الإلهيّة ، وله روحٌ واحدٌ هو الروح الأعظم والعقل الأوّل المشتمل على مجموع الأرواح الكليّة العقليّة اشتمالًا عقليّاً ؛ وله كالإنسان جانبان :
أحدهما : جانب اليمين ، وفيه الملكوت الأعلى ، وهي المدبّرات العلوية المتعلّقة بالبرازخ النوريّة ، وفيها جنّة السّعداء ، ومن ملائكتها من يسوقون عباد اللّه إلى رضوانه . ومنهم كتّاب حسناته يكتبون صحائف أعمالنا الحسنة وهم الملائكة العلّيّون وبأيديهم كتاب الأبرار
« إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ »
( المطفّفين : 18 ) .
والكتابة عبارةٌ عن تصوير الحقائق ؛ والكتّاب هم المصَوّرِون الناقشون ؛ والصحيفة هي