تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقاصد العلية في المطالب السنية — صفحة 350

مساهمون:

ص٣٥٠
محلّ التصوير والنقش ؛ وكذا القلم هو واسطةٌ بين يمين الكتّاب [ الكاتب ] والكتابة ؛ فالمراد من الكاتب هيهنا جوهرٌ ملكوتيٌّ فعّالٌ علويّ ؛ ومن القلم قوّته العلميّة المصوّرة ، ومن الصحيفة نفوسنا الناطقة الخالية عن النقوش في أوّل الفطرة . ولا شكّ أنّ هذه الكتابة لا يمكن أن يشاهدها أحدٌ بهذه الحواسّ الكَدرَة الترابية البالية ، لأنّها مكتوباتٌ غيبيّة وقعت في عالم الغيب ، لكن أكثر الناس لا يؤمنون بالغيب ولا يعتمدون ولا يثقون إلّا بوجود المحسوس بإحدى هذه الحواسّ . وثانيهما : [ جانب ] الشمال ، وفيه الملكوت الأسفل وهي المدبّرات السفليّة سَدَنَة البرازخ الظلمانية ؛ وفيها جحيم الأشقياء ؛ ولها طائفتان من الملائكة كما في الأوّل : إحديهما السائقة لأهل النّار إلى النّار ، والثانية الكاتبة لأعمال السيّئات للفجّار ، لقوله تعالى :
« وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ »
« 1 » . والطائفة الأولى منهما هي ملائكةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يعصون اللّه ما أمرهم ويفعلون ما يؤمَرون ؛ والطائفة الثانية هي ملائكةٌ بأيديهم أقلامٌ من النّار يكتبون المعاصي والشرور وأقوال الكذّابين وأهل الزور في صحائفَ لائقةٍ للاحتراق بالنّار لما فيها من الأخبار الكاذبة والكلمات الواهية الباطلة ، كما قال تعالى :
« إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ وَما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ كِتابٌ مَرْقُومٌ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ »
« 2 » . وهذا الوجه قريب المأخذ ممّا ذكر أوّلًا ، وذلك لأنّ المراد من أصحاب اليمين وأصحاب الشمال على الأوّل كلُّ من أوتي كتابه بيمينه وكلُّ من أوتي كتابه بشماله ؛ والمراد منهما على الأخير كلّ من كان مَآله إلى الملكوت الأعلى وجنّة السعداء مع العلّيّين ، وكلّ من كان مآله إلى الملكوت الأسفل وجحيم الأشقياء مع أهل السجّين ! ولا شبهة في أنّ من أوتي كتابه بيمينه كان حشره إلى ملائكة جانب اليمين والعلّيّين ، ومن أوتي كتابه بشماله أو من وراء ظَهره كان معذَّباً بأيدي سَدَنَة النّار وزبانية الجحيم المعذّبين لأهل النكال وأصحاب الشمال ، وكان في طبقات السجّين مع زمرة الشياطين .
هامش
( 1 ) . سورة ق : 21 . ( 2 ) . المطففين : 7 - 10 .