إليه كلّ واحدٍ من الإنسان من الطاعة والمعصية استدعى هذا القسمة وجعلهم أصحابَ يمينٍ وشمالٍ ؛ فما يصير إليه المطيع ويختاره من محاسن الأفعال أوجب له الشرافة وجعله من أصحاب اليمين وعرِّف بهذه السمة في العوالم كلّها ؛ وكذلك استكبار العاصي عن العبادة وما يصير إليه من قبايح أعماله أوجب لصاحبه الإهانة وجعله من أصحاب الشمال وعرِّف بهذه العلامة في العوالم .
وليس في هذه القسمة الإلهيّة أثرٌ في أفعال العباد أصلًا ، ولا يوجب شيئاً في مقام العمل بذرّةٍ من الذرّات فضلًا عن ترتّب تمام العمل إليها وعلّيّتها في أفعال العباد وإلجائها المكلّف وتأثيرها فيه بسلب الاختيار عنه !
وبعبارةٍ وضحى : إنّ اللّه تبارك وتعالى لِعِلمه السابق الأزلي بما يصير إليه عباده من القرب والبعد إليه ، واطّلاعه على ما يختار كلّ واحدٍ منهم من سلوك النجدين واتّباع السبيلَين ، جَمَعَ أشراف عباده وسعدائهم - أعني مَن علم منه الطاعة والانقياد والفوز إلى سعادة العبوديّة - في جهة اليمين ! وجَمَعَ كلّ وضيعٍ من عباده وشقيّه - أعني مَن عَلِمَ منه الاستكبار عن عبادته والتجبّر والعتوّعن انقياده - في جهة الشمال . وعَرَّفَ سعداء خلقه وأشقيائهم وأهل طاعته ومعصيته بهذه القسمة لأهل الملكوت . وجعلها سِمَةً وعلامةً يعرَف بها أهل الإيمان من أهل الكفر ويمتاز بها شريف عباده من وضيعهم ؛ وعرّفهم بها لمعرّفيه وأهل خلافته وأولياء ولايته وأمناء دولته .
وهذا أمرٌ يرجع إلى اللّه تعالى وفعلٌ من أفعاله للمصالح الكونيّة خارجٌ عن عالم المكلّفين ، ولا ربطَ له أصلًا لأفعال العباد حتّى يظَنّ أو يحتمل تأثيره فيها .
وأنت تعرف حقيقة هذا الأمر بمثالٍ في الخارج وهو : أنّ مَلِكاً لو جمع رعاياه في صعيدٍ واحدٍ بقصد الاختبار واتّخذ البيعة عنهم وعَلِم حالاتهم قبل ذلك واطّلع على ما يصيرون إليه من القبول والردّ فجَعَلَهم بمقتضى عِلمِه لدى أخذ البيعة صفَّين وصنفَين ، وجَمَعَ مَن اعتقد منه الانقياد في جهة يميينه ، ومَن اعتقد تمرّده في جهة يساره ، وعَرَّفَ بذلك أصحاب كلّ فريقٍ لأولياء أموره وحفظته وحكّامه وخدّامه ؛ ووَجَدَهم كما اعتقد وقَسَّم ؛ وبايَعَه جميع مَن كان في يمينه ، واستكبر عن بيعته كلّ من كان في يساره .
فهل يظَنّ أو يحتَمل في أمر المَلك هذا وجَعلهِ رعاياه بمقتضى علمه صفّين تأثيراً فيما
المقاصد العلية في المطالب السنية — صفحة 347
مساهمون: الشيخ عبد الحسين الأميني (العلامة الأميني)
ص٣٤٧