تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقاصد العلية في المطالب السنية — صفحة 346

مساهمون:

ص٣٤٦
عزّوجلّ خلق « 1 » السعادة والشقاوة قبل أن يخلق خلقه ، فَمن عَلِمَه اللّه سعيداً لَمْ يبْغضه أبداً ، وإن عَمِلَ شرّاً أبغَضَ عملَه ولَمْ يبغضه ؛ وإن كان عَلِمَه شقيّاً لَم يحبّه أبداً ، وإن عَمِلَ صالحاً أحبّ عملَه وأبغضه لِما يصير إليه ، فإذا أحَبَّ اللّه شيئاً لَم يبغِضه أبداً ، وإذا أبغض شيئاً لم يحبّه أبداً ! . . . » الحديث « 2 » . فَعِلمه الأزليّ بما يختاره كلّ فردٍ من البشر ويصير إليه ومعرفته محبيّه من مبغضيه اقتضى وضع كلٍّ من الفريقين فيما ينبغي ويليق به ، واستدعى أن يكرم أهلَ طاعته ويشرّفهم ويفضّلَهم على غيرهم بخلقهم ممّا يحبّ . وأوجب أن يمتاز مبغضيه بين عباده بخلقهم عمّا يبغض . فمعنى قول أبي جعفرٍ عليه السلام « فَخَلَقَ ما أحبّ ممّا أحبّ . . . الحديث » أنّ اللّه عزّوجلّ خلق أهلَ طاعته من طينة الجنّة ، وأهلَ معصيته من طينة النار ! وهذا يومي إلى كون الطاعة والمعصية علّةً لاختلاف الناس في الخلقة ، وموجباً لإيجادهم على نحوٍ مخصوصٍ من محلٍّ معلومٍ ، دون العكس . بمعنى أن يصير إليه كلّ واحدٍ من أفراد البشر ويختاره من الانقياد والمعصية على مراتبهم فيما أوجب خلقه من محلٍّ مخصوصٍ ، واقتضى إيجاده من مكانٍ معلومٍ من العلّيّين والسفليّين على حسب ما يليق به اختياره ؛ لا أنّ الخلقة على نحوٍ مخصوصٍ يؤثّر في أفعال العباد ويوجب لصاحبه ارتكاب ما يصير إليه [ كلّ واحدٍ من الإنسان من الطاعة والمعصية ] ! « 3 » . وكذلك الأمر في تقسيم اللّه تعالى الإنسان بصنفين : أصحاب يمينٍ وشمالٍ ، فإنّ ما يصير
هامش
( 1 ) . المراد من خلق السعادة والشقاوة في هذا الحديث الشريف وأمثاله خلق تقدير لا خلق تكوين ، كما ورد في أفعال العباد أنها مخلوقة للّه ، بمعنى أنّ السعادة والشقاوة وأفعال العباد مقدّرة قبل خلق الخلق ومعلومة للّه قبل ايجادهم ، وقد صرّح بذلك في غير واحد من الأحاديث الشريفة ونذكر بعضها فيما يأتي ، والمراد من السعيد والشقي من ختم أمره وقضى نحبه وجاءه أجله بالسعادة والشقاوة وهذا هو حقيقة الشقاوة . وأشير إلى هذا المعنى فيما رواه شيخ الحفظة رئيس المحدثين الصدوق ره في العلل بإسناده عن جعفر بن محمد عن أبيه عليهم السلام أنّ عليا عليه السلام قال إن حقيقة السعادة أن يختم المرء بالسعادة وإنّ حقيقة الشقاوة أن يختم المرء عمله بالشقاء . . . منه رحمه اللّه ( 2 ) . توحيد الصدوق : 357 ح 5 ، المحاسن للبرقي : 1 / 279 ، الكافي : 1 / 152 الحديث الأول . ( 3 ) . كتب الناسخ في الحاشية : زائد .
المقاصد العلية في المطالب السنية — صفحة 346 | الشيخ عبد الحسين الأميني (العلامة الأميني) / طباطبائي يزدى