فقال اللّه عزّوجلّ لهم : ذلك لِعِلمي بما أنتم صايرونَ إليه وأنّي سَأبْتَليكم . . . » الحديث . « 1 »
وسبق من الأخبار ما يدلّ على هذا المعنى . « 2 »
فاللّه تبارك وتعالى لما عَلَمِ من بعض عباده أنّه يطلب قربه بطاعته ويصدر منه ما يرضيه ويصير إلى ما يجعل في الجنّة مثواه ، وعَلِمَ من بعضٍ آخر أنّه يستكبر عن عبادته ولا يقبل ولايته ويعيش في عتوٍّ وتجبّرٍ ويصير آخر أمره إلى النّار ، خلق كلّ واحدٍ من محلٍّ يليق به ويجرّه علمه إليه وينتهيه أمره ويعود إليه ! فالعباد لمّا كان باعتبار أعمالهم الاختياريّة فريقٌ منهم في الجنّة وفريقٌ في السعير خلق اللّه تعالى لعلمه بما يصير إليه أهل كلّ فريقٍ عمّا يعود إليه وجعله أصله .
ويومي إلى هذا المعنى ما في « البصائر » و « العلل » بإسنادهما عن أبي جعفرٍ عليه السلام قال : « إنّ اللّه عزّوجلّ خلق الخلق فخلق ما أحبّ ممّا أحبّ ، وكان ما أحبّ أن خلقه من طينة الجنّة ؛ وخلق ما أبغض ممّا أبغض ، وكان ما أبغض أن خلقه من طينة النّار . . . » الحديث . « 3 »
تقرير ذلك : إنّ الإنسان من حيث هو باعتبار ذاته مع قطع النظر عن صفاته وشؤون كلّ فردٍ ومزاياه الشخصيّة الكسبيّة لا تفضيلَ لواحدٍ بينهم على الآخر ولا مزيّة لأحدٍ على أخيه ولا ترجيح بينهم ، والكلّ على خالقهم سواءٌ ! وإنما التفضيل والمزيّة والترجيح وكون بعضهم محبوباً للّه وبعضٌ آخر مبغوضاً عليه أمرٌ يعتَبَر بالطاعة والمعصية ! فيحبّ أهلَ طاعته بطاعتهم ، ويبغض أهلَ معصيته بمعصيتهم ؛ ومَن عَلمِهَ اللّه تعالى أنّه يطيعه لم يبغضه أبداً ، ومَن عرفه عاصياً شقيّاً لا يحبّه أبداً !
وهذا ما رواه البرقيُّ والكلينيُّ والصدوق رحمهم اللّه في « المحاسن » وفي « التوحيد » و « الكافي » في « باب السعادة والشقاوة » مسندا عن أبي عبد اللّه عليه السلام : « إنّ اللّه
هامش
( 1 ) . علل الشرائع : 2 / 425 ح 6 ، وعن العلل في بحار الأنوار : 5 / 245 وكذا : 96 / 217 .
( 2 ) . راجع ما جاء في المطلب الثالث .
( 3 ) . الكافي : 2 / 5 ص 10 ح 3 . وعنه في بحار الأنوار : 64 / 99 ح 16 ، علل الشرايع : 1 / 118 ح 3 . البصائر : ص 80 ح 1 وفي مختصر البصائر : ص 164 و 216 . وأما شرح هذا الحديث الشريف فراجع : شرح أصول الكافي للمازندراني : 8 / 26 ، بحار الأنوار : 62 / 99 فللمجلسي بيانٌ ذيله ، ومجمع البحرين 3 / 92 فقد ذكر الطريحي شرح هذا الحديث بالتفضيل فيه ، فراجع إن شئت .