تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقاصد العلية في المطالب السنية — صفحة 343

مساهمون:

ص٣٤٣
والتمرّد عليه من ترتّب أثرٍ لدى حضرته ويستحقّ كلّ عاملٍ بالطاعة والمعصية لديه ما يقتضيه فعله من القرب والبعد والشرافة والذلّ وعلوّ المنزلة والانحطاط والكرامة والإهانة ؛
« فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ »
« 1 » ! وهذا أمرٌ يختصّ لعالَمٍ دون عالمٍ ، فاستحقّ المطيعون للّه في عالم الأظلّة والمقرّون بربوبيّته والموالون لمعرّفيه في الخلق الأوّل بانقيادهم وطاعتهم الكرامة والتفضيل والتشريفَ وتأهّلوا بتبجيلٍ وتجليلٍ من اللّه تعالى ، كما استوجب إنكار المنكرين وتمرّد المستكبرين للإهانة والخفّة عليهم . وقد عرفت في المطلب الثالث أنّ فضل الأنبياء وأوصياهم على غيرهم وتفضيل بعضهم على بعضٍ وأمثال ذلك من فضائلهم السنيّة وتشريفاتهم الإلهيّة كلّها من جهة استحقاقهم العملي وأهليّتهم الكسبيّة في الذرّ الأوّل . ولا يخفى عليك أنّ آثار الأعمال كما تترتّب بعد تحقّقها في الخارج كذلك يجوز ترتيب الأثر عليها قبل تحقّقها وإتيان المكلّف بها إذا علم تحقّقها بَعد ؛ وهذا المعنى معهودٌ متعارفٌ بين الناس يستحسنه العقل السليم ! ألا ترى أنّ الرجل بعد علمه - بل ظنّه بل احتماله - لقابليّة واحدٍ من ولده واستعداد فوزه في مستقبله إلى ما يحبّه ونيله إلى ما يرضيه يفضّله على سائر ولده ويعطيه الامتياز بين أولاده ، ويخصّه بإعزازٍ وإكرامٍ دون اخوانه ، ويصطفيه ويختاره محلًا لحبّه وكرامته باعتبار ما يصير إليه ؟ ! وكذلك عكس القضيّة . فتفضيل اللّه أهل طاعته على غيرهم وامتيازهم عمّن سواهم بتشريفٍ وتكريمٍ الهيٍ ، وكذلك استحقاره أهل معصيته كما يكون بعد تحقّق العمل منهم ، كذلك يكون قبل العمل وإتيان المكلّف به لعلمهِ الأزلي بما يصير إليه عباده من الطاعة والمعصية ! فانقياد الإنسان واستكباره في الخلق الأوّل يوم ألَست كما عرفت في المطلب الثالث ترتّب آثارهما بعد تحقّقهما ، وسيجئ مزيد بيانٍ له . فاعلم أنّه قد ترتّب عليهما آثارٌ قبل تحقّقهما عن المكلّفين للعلم منه تعالى بما هم صائرون إليه ! ومن الآثار المترتّبة قبل تحقّق العمل عليه لعلمه تعالى به أمر الخلقة الروحيّة
هامش
( 1 ) . الزلزلة : 7 - 8 .